يُعَد فيروس الهربس البسيط من أكثر الفيروسات مراوغةً، فهو يغزو الخلايا التي تبطن الأجزاء الأكثر حساسيةً في الجسم ريثما يجد طريقه إلى الجهاز العصبي، حيث يخبئ نفسه في الحمض النووي. ما تزال تفاصيل اختراقه أنسجة الجسم بهذه الطريقة المعقدة لا نملك عنها إلا بعض المعرفة الجزئية، لكن كشفت دراسة حديثة قادها باحثون من كلية فاينبيرغ للطب -التابعة لجامعة نورث ويسترن في الولايات المتحدة- قطعةً أساسية من الأحجية، وربما يساعدنا ما اكتشفوه على ابتكار وسائل جديدة لعلاج فيروس الهربس والوقاية منه.

إن عدوى فيروس الهربس مألوفة جدًا لدى معظم سكان العالم سواءً كانوا يعرفون ذلك أم لا، فهو من أكثر الأمراض الفيروسية شيوعًا، ويصيب أكثر من ثلثي البشر بنوعيه: النوع الشفوي، أو فيروس الهربس البسيط من النمط 1 (HSV-1)، والنوع المنتقل جنسيًا -التناسلي- أو فيروس الهربس البسيط من النمط 2 (HSV-2). ما زال فيروس الهربس يرافق البشرية منذ بدايتها، بل ربما منذ وقتٍ أبكر من ذلك.

مع أن عدوى فيروس الهربس عادةً ما تكون كامنة، فإنها تبقى قادرةً على التسبب ببعض الأعراض المتعبة، مثل الانتشار الواسع لبثور قرحة الزكام، وصولًا إلى بعض الأعراض النادرة والوخيمة إذ يجتاح العينين. في بعض الحالات الأليمة، قد تنتقل العدوى من الأم إلى الطفل، ما قد يكون مميتًا للأطفال الرضع، ومن الصادم أن نعلم أن فيروس الهربس كان مسؤولًا عن وفاة ما يزيد على ألف رضيع في الولايات المتحدة وحدها خلال العقدين الماضيين. إضافةً إلى أنه يُعَد من مسببات الإصابة بالخرف، أو على الأقل من العوامل المساهمة فيه، لذا فإن إيجاد علاج فعال -إن لم يكن لقاحًا- سينقذ العديد من الأشخاص حول العالم دون شك.

لكن لسوء الحظ فإن الهربس فيروس ماكر جدًا، فهو لا يكشف نفسه للجهاز المناعي إلا مدةً وجيزة، ذلك قبل أن يدمج حمضه النووي بالحمض النووي للخلايا العصبية الطرفية، حيث يستقر لينتظر أن يُترجَم إلى جيل جديد من الجسيمات المُعدية فور خمود الاستجابة المناعية.

يقول عالم المناعة غريغوري سميث من جامعة نورث ويسترن: «يعيد الفيروس برمجة الخلية لتصبح مصنعًا للفيروسات. السؤال الأهم هو: كيف يتمكن فيروس الهربس من الوصول إلى نواة الخلية العصبية؟».

يتمثل أحد الأدلة في بروتين يرمزه الفيروس، يُسمى pUL36، بيّنت دراسات سابقة أن هذا البروتين يلتحم مع جزيئات بروتين خلوي يسمى الداينين، وهو بروتين حركي -محرك بيولوجي صغير- ينتمي إلى عائلة بروتينات الهيكل الخلوي، التي تتحرك على طول الأنيبيبات الدقيقة، التراكيب التي تدعم الخلية وتعطيها شكلها. بعبارة أخرى، يبدو أن فيروس الهربس بإمكانه التجول داخل الخلية التي يغزوها، بالتحرك على هيكلها الخلوي الداخلي بمساعدة بروتين فيروسي يشبه الخطاف.

أوضحت دراسة أنواع أخرى من الخلايا أن الأمر أعقد من ذلك، ففي بعض الأنسجة، لم تكن رحلة الفيروس داخل الخلية عشوائية أو في اتجاه واحد، إذ تمكّن الفيروس من التحرك حتى في حواف الخلية، ما يدل على وجود عامل آخر غير الداينين.

يبدو أن فيروس الهربس لا ينتج شيئًا آخر يساعده على التحرك بتلك الطريقة. وجد الباحثون أن الفيروس ببساطة يستغل بروتينًا إضافيًا من الخلية الأساسية التي يغزوها، وهو بروتين حركي آخر يسمى كينيسين، يتحرك على طول سلاسل الأنيبيبات الدقيقة بحركة تشبه المشي حرفيًا.

إن استغلال كل من الداينين والكينيسين للتجول داخل الخلية أمر معتاد لدى الفيروسات، لكن ما يميز فيروس الهربس تحديدًا أنه يأخذ أحد البروتينين من نوع معين من الخلايا ثم يستغله في نوع آخر ليتمكن من التحرك بكفاءة أكبر.

بمزيد من البحث، تبين أن هذه الآلية تساعد الفيروس على بلوغ نواة الخلية العصبية، وفور دخوله جسم الخلية العصبية، يصبح بإمكانه بلوغ الحمض النووي مباشرةً، دون الضياع في الأرجاء جيئةً وذهابًا.

مع أن الخلية العصبية قد تبدو صغيرة الحجم، فإنها ضخمة بالنسبة إلى فيروس صغير يحاول إيجاد طريقه خلال مسارات شبكة الهيكل الخلوي المعقدة. يقول سميث: «لا بد أنها رحلة طويلة فعلًا، على الأرجح يستغرق الفيروس 8 ساعات للتحرك من طرف الخلية العصبية إلى محورها».

للمرة الأولى نكتشف قدرة فيروس على إعادة توظيف بروتين خلوي لمساعدته على مواصلة العدوى، وقد يساعدنا هذا الاكتشاف على فهم علاقتنا بفيروس الهربس، وربما إيجاد طريقة لمنعه من بلوغ حمضنا النووي.

يقول سميث: «بعد فهم قدرة فيروس الهربس على الوصول إلى جهازنا العصبي، سيصبح بإمكاننا إيجاد طرق لسلبه تلك القدرة. مثلًا، إذا استطعنا منع الفيروس من الاندماج مع الكينيسين، فلن يصبح بمقدوره إصابة الجهاز العصبي، ما يمثل وسيلةً محتملة يمكن استغلالها لإنتاج لقاح واق من الفيروس».

اقرأ أيضًا:

الهربس البسيط: الأسباب والأعراض والتشخيص والعلاج

هذا المرض المتناقل جنسيًا قد يؤدي للإصابة بالاكتئاب والاضطراب الوجداني ثنائي القطب

ترجمة: رحاب القاضي

تدقيق: أسعد الأسعد

المصدر