أكدت هيئة تنظيمية في المملكة المتحدة إنجاب ثلاثة أطفال بالجمع بين الأحماض النووية لثلاثة أشخاص مختلفين. وقد كان إنجاب أجنة من 3 أشخاص مسموحًا قانونيًا منذ عدة سنوات، لكن المعلومات التي تثبت نجاح استخدام هذا الإجراء في المملكة المتحدة لم تكن موجودة إلى الآن.

كشف بحث أجرته صحيفة الجارديان في أبريل 2023 أن أقل من خمسة أطفال ولدوا نتيجة علاج التبرع بالميتوكوندريا (MDT)، والميتوكوندريا هي عضيات خلوية مسؤولة عن إنتاج الطاقة.

تُعد هيئة الإخصاب البشري والأجنة في المملكة المتحدة الجهة المُنظمة المستقلة والمعنية بخصوص مواضيع الخصوبة وأبحاث الأجنة البشرية، وقد وافقت على 30 حالة فردية على الأقل للعلاج باستبدال الميتوكوندريا، لكنها لم تكشف عن أي رقم دقيق لعدد الأطفال الأحياء الذين ولدوا باستخدام هذه التقنية ولا أي تفاصيل أخرى، وذلك لتجنب كشف هوية الأشخاص المعنيين بواجب السرية.

كانت المملكة المتحدة أول دولة في العالم تتبنى تشريعًا عام 2015 لتنظيم استخدام هذه التقنية، وعيادة نيوكاسل للخصوبة كانت العيادة الوحيدة المرخصة لإجراء العلاج. ويرى البعض أن القيود التي فُرضت في ظل جائحة فيروس كورونا قد أعاقت تطبيق التقنية، وربما يعني ذلك أن عددًا أقل من المتوقع بكثير من الأزواج قد تمكنوا من الاستفادة من العلاج.

لكن هؤلاء لم يكونوا أول أطفال وُلدوا باستخدام هذه التقنية، فقد كانت أول حالة إنجاب لطفل باستخدام هذه التقنية في المكسيك في أوائل 2016، إذ ساعد أطباء من الولايات المتحدة زوجين أردنيين على الخضوع للتخصيب المساعد في المختبر بعد حصولهم على متبرع بالميتوكوندريا.

لماذا تُستخدم أحماض نووية من ثلاثة أشخاص؟

ابتُكر علاج التبرع بالميتوكوندريا لعلاج نوع معين من الاضطرابات الوراثية تسمى اضطرابات الميتوكوندريا. وقد تؤثر الطفرات في الحمض النووي للميتوكوندريا في هذه وظيفتها المعقدة بعدة طرق، وتتسبب بعدد كبير من الأعراض.

يرث الأطفال الميتوكوندريا كاملة من أمهاتهم فقط، وبذلك يكون الهدف من العلاج هو تبديل الحمض النووي الميتوكوندري المعيب من الأم البيولوجية للجنين بحمض نووي ميتوكوندري من بويضة أم مانحة جديدة، تحتوي على ميتوكوندريا سليمة.

لا يُمكن تحديد مدى انتشار طفرات الميتوكوندريا بالضبط، لكن نحو 1 من كل 250 فرد من الأفراد الأصحاء قد يحملون مستويات منخفضة من الخطورة للإصابة بطفرات الميتوكوندريا المسببة للأمراض. وتقدر مؤسسة أمراض الميتوكوندريا الموجودة في الولايات المتحدة أن كل ساعة يُولد طفلان أو ثلاثة أطفال سوف يتطوّر لديهم اضطراب ميتوكوندريا عند بلوغهم سن العاشرة. ولا توجد طريقة للتنبؤ بمدى تأثر كل طفل بمفرده إذا حملت امرأة معرضة للخطر حملًا طبيعيًا. لذلك قد يبدو منع انتقال الجينات الميتوكوندرية المعيبة تمامًا استراتيجية علاجية جذابة.

ما آلية الإجراء؟

تسمح المملكة المتحدة بطريقتين للإجراء، والهدف في كلتا التقنيتين إنجاب أطفال يملكون صبغيات الوالدين البيولوجيين (نحو 99.8% من إجمالي المادة الوراثية)، إلى جانب عدد صغير من الجينات الميتوكوندرية من البويضة المانحة لتحل محل الحمض النووي الميتوكوندري المعيب من الأم.

في الطريقة الأولى تُنقل المادة الوراثية النووية لبويضة الأم إلى البويضة المانحة التي نُزعت مادتها الوراثية قبل عملية إخصابها باستخدام الحيوانات المنوية للأب، وهذا ما يسمى بالنقل المغزلي (Spindle transfer)، ويقصد به استخلاص تجمع الصبغيات الذي يشبه المغزل ويحوي المادة الوراثية للبويضة.

أمّا الطريقة الثانية فتكون بتلقيح كل من بويضة الأم وبويضة الأم المانحة بالحيوانات المنوية للأب، وذلك قبل انتزاع النوى منهما للتخلص من نواة بويضة المانحة ثم إدخال نواة الأم البيولوجية داخل بويضة المانحة، وتسمى هذه بعملية نقل طليعة النواة (pronuclear transfer).

لا يحق للطفل المولود باستبدال الميتوكوندريا الحصول على أي معلومات تعريفية عن المتبرعة بالبويضة، ولن يكون للمتبرعة أيضًا أي حقوق أو مسؤوليات أبوية تجاه الطفل. لكن بعد سن 16، يحق للطفل الحصول على بعض المعلومات غير التعريفية للمتبرعة مثل نتائج اختبارات الفحوص الطبية.

ماذا سيحصل لاحقًا؟

بحسب داغان ويلز أستاذ علم الوراثة الإنجابية في جامعة أكسفورد، الذي أجرى بحثًا حول علاج MDT، فإن التجارب السريرية لعلاج استبدال الميتوكوندريا مشجعة حتى الآن، لكن عدد الحالات المُفصح عنها أقل بكثير للحصول على استنتاجات نهائية حول سلامة هذا الإجراء أو كفاءته. وما زالت هذه التقنية في الأيام الأولى، ولن تخلو من المخاطر مثل أي إجراء طبي.

يستحيل مثلًا تجنب نقل عدد ضئيل من الميتوكوندريا إلى البويضة المانحة عند نقل المادة الوراثية للأم، وفي حالات نادرة، قد تتضاعف هذه الميتوكوندريا في أثناء نمو الجنين داخل الرحم أو يحدث ما يسمى بالانقلاب. ويوضح ويلز أن السبب وراء حدوث الانقلاب في خلايا بعض الأطفال المولودين باستبدال الميتوكوندريا دون غيرهم، ليس مفهومًا تمامًا ويحتاج إلى المتابعة.

مع أن آخر الأخبار أكدت حدوث ولادات ناجحة بعد استخدام علاج MDT، فإن الخبراء يشددون على ضرورة احترام خصوصية العائلات المعنية، وانتظار نشر أي بيانات قد تحقق من صحتها المختصين حول الإجراء.

وبحسب تعليق البروفيسور روبن لوفيل بادج من معهد فرانسيس كريك، فهو متأكد من أن تفاصيل الإجراء سوف تتاح في المستقبل القريب، وأن فريق نيوكاسل المشارك في تنفيذ هذا الإجراء سوف يعرض بعض بيانات المتابعة على الأقل عن الأطفال، مع التأكيد على حماية خصوصية العائلات.

وأردفت سارة نوركروس مديرة جمعية خيرية إن الغرض من هذه التقنية هو تقديم طريقة إنجاب فعّالة لتجنب انتقال اضطرابات الميتوكوندريا إلى الأطفال. وبالنظر إلى الخسائر التي كانت سوف تحصل لو انتقلت هذه الاضطرابات لأطفال الأُسر التي استخدمت علاج MDT، فإنه من المهم احترام خصوصية هذه العائلات.

اقرأ أيضًا:

ما مدى سلامة تقنية إنجاب طفل من ثلاثة آباء المثيرة للجدل؟

تجميد البويضات: إتاحة فرصة مستقبلية للإنجاب في عمر متقدم

ترجمة: تيماء القلعاني

تدقيق: محمد حسان عجك

المصدر