بفضل أجسامها الضخمة والكميات الكبيرة التي تطرحها من الفضلات، باستطاعة الحيتان الكبيرة نقل الكثير من المواد العضوية حول كوكبنا. يقترح الباحثون أن أعداد هذه الحيوانات الكبيرة قد يكون عاملًا مهمًا وقيمًا لامتصاص الكربون.

تراجع عالمة الأحياء البحرية في جامعة جنوب شرق ألاسكا هايدي بيرسون مع زملائها المنشورات العلمية في ورقة بحثية جديدة لتحديد الأثر الذي تُحدِثه هذه الثدييات العملاقة وتقييمه كحل طبيعي لتغير المناخ.

تصنف الحيتان الزرقاء والحيتان ذات الزعنفة أكبر حيوانات وُجدت على وجه الأرض، ويعيش بعض هذه الثدييات البحرية حتى مئتي سنة.

توضح بيرسون مع زملائها: «يسمح الحجم الكبير لهذين النوعين من الحيتان ودورة حياتهما الطويلة بإحداث تأثيرات قوية على دورة الكربون بتخزينه بفاعلية أكثر من الحيوانات الصغيرة وتناول أقصى كمية ممكنة من الفرائس وإنتاج كميات كبيرة من الفضلات».

تؤدي الحيتان الكبيرة -بما فيها حيتان البالين التي تفلتر غذائها وحيتان العنبر ذات الأسنان- دورًا هامًا كمضخة الكربون البيولوجية في المحيط، إذ تنقل الكربون بين المحيط والغلاف الجوي.

بالنظر إلى المحاولات الاصطناعية لاستغلال عمق المحيط بهدف عزل الكربون، يتسرب حوالي 75% من مخزونها خلال نصف ذلك الوقت، هذه فترة معقولة لعزل كربون بحجم الحوت تقريبًا.

تأكل الحيتان ما يقارب 4% من وزنها كل يوم، ما يصل إلى نحو 8000 رطل عند الحيتان الزرقاء.

تتغذى العوالق فيما بعد على فضلات البراز الناتجة عن الحيتان. تحبس العوالق ثاني أكسيد الكربون وتطفو بالقرب من سطح المحيط حاملةً معها مغذيات يصعب الحصول عليها كالحديد والنيتروجين. تتغذى أسماك الكريل على العوالق، وتمرر تلك العناصر الغذائية والكربون إلى العديد من الحيوانات التي تتغذى عليها بدورها، بما فيها البطاريق والطيور والفقمات والأسماك والحيتان بالطبع.

في الواقع، وجدت الدراسات السابقة أنه على الرغم من تغذي الحيتان على أسماك الكريل، فإن ارتفاع نسب الحيتان يعني ارتفاع نسب أسماك الكريل، وهذا ما يعرف بمفارقة الكريل. وهذا ناتج عن كميات البراز الزائدة التي تفرزها الحيتان والتي تشكل مصدرًا غذائيًا لأسماك الكريل، ما يزيد من أعدادها.

لأسراب أسماك الكريل دور كمضخة الكربون البيولوجية، إذ تتجمع فضلاتها في أعماق المحيط.

أدت الحيتان جزءًا كبيرًا من الإخصاب الطبيعي للمحيطات قبل أن يؤدي صيدها إلى تقليص كتلتها الحيوية الكبيرة بما يقارب 80%.

تشير بعض التقديرات إلى أنه قبل تناقص أعدادها، ساهمت حيتان العنبر في المحيط الجنوبي بإزالة ما يقارب مليوني طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بينما تزيل مئتي ألف طن حاليًا.

تعيد هذه الثدييات العملاقة تدوير الكربون بطرق أخرى إذ تغرق وتستقر في قاع المحيط بعد موتها، وعندها تتحول كتلتها الحيوية إلى غذاء لمجموعة كبيرة أخرى من الأسماك، ما يؤدي إلى عزل الكربون في أعماق المياه.

يوجد أيضًا حزام كبير ناقل للحيتان، إذ تهاجر أغلب الحيتان من المناطق الغنية بالمغذيات إلى المناطق الفقيرة بها، وتوزع العناصر الغذائية على طول مسارها.

وضحت بيرسون والفريق البحثي: «مع الأخذ بعين الاعتبار أن حيتان البالين تقطع أطول طريق هجرة على وجه الأرض، من المحتمل أنها تؤثر على حركة المغذيات وعلى دورة الكربون على مستوى المحيط».

قبل أن تظهر الصناعات المعتمدة على صيد الحيتان، كانت الحيتان الزرقاء تنقل ما يقارب 140 كيلوطن من الكربون كل سنة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي محفزةً بذلك النشاط البيولوجي في المناطق منخفضة المغذيات التي تتكاثر فيها. أما الآن فهي تنقل 0.51 كيلوطن تقريبًا.

ما زال هناك الكثير مما نجهله، فلا نعلم على سبيل المثال نسبة ثاني أكسيد الكربون الذي تطرحه الحيتان مع هواء الزفير إلى الهواء.

علاوةً على ذلك، فإن معظم التقديرات لآثار الحيتان لم تشمل حتى الآن جميع أنواع الحيتان الكبيرة. لذلك يحث بيرسون وزملاؤه على إجراء مزيد من الأبحاث لملء هذه الفجوات وتوفير فهم أفضل لكيفية ضم الحيتان في جهود تخفيف تغير المناخ.

وأشار الباحثون أيضًا إلى أن تمييز الحيتان وحمايتها باعتبارها حوضًا للكربون سيكون أقل خطورة بكثير وله ديمومة أكبر وكفاءة أعلى من حلول الهندسة الجيولوجية المقترحة، مثل التسميد الاصطناعي للبحار أو الحقن المباشر للكربون في أعماق المحيط.

تشمل التهديدات الحالية لهذه الكائنات العملاقة اللطيفة تشابك مصايد الأسماك، وضربات السفن، والتلوث الضوضائي، والتلوث البلاستيكي، واستمرار صيد الحيتان. وتتأثر الحيتان أيضًا بنتائج تغير المناخ، إذ تتحرك فرائسها بين المياه بسبب الظروف المتغيرة.

الخبر السار هو أن بعض أعداد الحيتان الكبيرة تتزايد، ما يثبت أن التدابير التي اتُّخذت لمساعدتهم مفيدة فعلًا، بما في ذلك إنشاء مناطق حماية بحرية بالإضافة إلى حدود للسرعة وتقليل الضوضاء في الأماكن التي تتجمع فيها هذه الحيوانات.

مساعدة الحيتان الكبيرة على النمو ليست سوى جزء من شبكة كبيرة من الحلول المعتمدة على الطبيعة التي التزم بها ثُلثا الموقعين على اتفاق باريس، بما في ذلك حماية ما تبقى واستعادة النظم البيئية المفقودة والمتدهورة.

خلص الباحثون إلى أن: «لتعافي الحيتان القدرة على تعزيز استدامة ذاتية لمخزون الكربون في المحيطات. إن دور الحيتان الكبيرة والكائنات الأخرىفي الحد من ثاني أكسيد الكربون بالكامل لن يتحقق إلا بتدخلات قوية تعزز بشكل مباشر زيادة أعداد الحيتان».

اقرأ أيضًا:

كيف يُمكن لأحد أصغر الكائنات في العالم أن يُغيِّر المناخ العالميّ

الاحتباس الحراري يغير منظومة المحيطات

ترجمة: ميس مرقبي

تدقيق: دوري شديد

المصدر