اكتشفنا أسرع نجم معروف في مجرتنا درب التبانة، في مركز المجرة تقريبًا، يدور هذا النجم المُكتشَف المُسمى (S4714) حول الثقب الأسود فائق الكتلة Sagittarius A* أو اختصارًا (Sgr A*). تبلغ سرعة النجم (S4714) في مداره نحو 24 ألف كم في الثانية، أي نحو 8% من سرعة الضوء، وهي حقًا سرعة مذهلة، لكن ذلك ليس كل شيء.

(S4714) هو نجم من مجموعة النجوم التي تدور حول الثقب الأسود (Sgr A*) في مدارات أقرب من أي نجوم اكتُشفت سابقًا.

لا يشير هذا الاكتشاف إلى وجود المزيد من النجوم في مدارات قريبة جدًا من ثقب مجرتنا الأسود هائل الكتلة فقط، بل أعطانا تصورًا أوليًا حول هذه النوعية من النجوم، التي ذُكرت قبل 20 عامًا، تلك النجوم التي تتعرض لقوى مدّية بفعل الثقب الأسود (Sgr A*) لقربها منه، وتُسمى «النجوم المضغوطة».

قد يكون مركز مجرتنا هادئًا نسبيًا مقارنةً بمراكز باقي المجرات النشطة، مع ذلك فإن المنطقة القريبة من الثقب الأسود قد تكون جامحة وغريبة إلى حدٍ بعيد.

يدرس علماء الفلك المنطقة المحيطة بالثقب الأسود (Sgr A*)، التي تحتوي مجموعة من النجوم التي تدور في مدارات بيضاوية، طويلة ومتعرجة، مثل شكل بيضاوي مع ثقب أسود في أحد طرفيه، تُسمى هذه النجوم المدروسة بالنجوم (S)، التي يمكننا من طريقها دراسة واستكشاف خصائص هذا الجسم العملاق غير المرئي الذي تدور حوله.

العثور على أسرع نجم في مجرتنا مسافرًا ب8% من سرعة الضوء - أسرع نجم معروف في مجرتنا درب التبانة - الثّقب الأسود فائق الكتلة

لسنوات عديدة كان النجم المُسمّى S2 هو أقرب نجم إلى الثقب الأسود، في أثناء دوران النجم حول الثقب -الذي يستغرق 16 عامًا ليتم دورة كاملة- أصبح النجم أقرب ما يكون للثقب، أي على بُعد 18 مليار كيلومتر حول الثقب (Sgr A*)، كان لتأثير جاذبية الثقب الأسود في هذا الكوكب دورًا كبيرًا في زيادة سرعة النجم إلى 3% من سرعة الضوء، لقد استغرق الأمر وقتًا وجهدًا كبيرين لمراقبة هذا النجم ودراسة خصائصه.

العام الماضي، وجد فريق بقيادة عالم الفيزياء الفلكية فلوريان بيسكر من جامعة كولونيا بألمانيا نجمًا أكثر خفوتًا، لكنّه أقرب كثيرًا من الثقب الأسود، هذا النجم يُسمى (S62).

في مداره الذي يستغرق 9.9 سنوات، يقترب النجم إلى مسافة 2.4 مليار كيلومتر من الثقب الأسود، وهذا أقل من متوسط المسافة بين الشمس وكوكب أورانوس، في أثناء دوران هذا النجم حول الثقب تصل سرعته إلى 20 ألف كيلومتر في الثانية، أي 6.7% من سرعة الضوء تقريبًا.

لكن العالم بيسكر وفريقه لم يتوقفوا عند هذا الحد، فبعد سنوات من العمل، اكتشفوا حتى الآن خمس نجوم (S) جديدة، أقرب بكثير من (S2) وهي: (S4711، S4712، S4713، S4714، S4715).

قال بيسكر: »أنا سعيد جدًا أن أُتيحت لي الفرصة لرصد مركز المجرة ومراقبته باستخدام تلسكوب ضخم جدًا، على مدار السنوات السبع الماضية. منذ ذلك الحين أعمل على بيانات مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة (SONFONI)، ما يتطلب مهارات تقليل البيانات، ونظرة ثاقبة، وبعض التوفيق، والوقت، وبالتأكيد معرفة جيدة بمرشحات الترددات العالية والمنخفضة«.

يُعَد النجمان (S4711) و(S4714) هما الأبرز من بين النجوم الجديدة.

S4711)) هو نجم أزرق من النوع (B)، عمره 150 مليون سنة تقريبًا، له فترة مدارية أقصر من النجم (S62)، ويدور حول الثقب الأسود (Sgr A*) مرة كل 7.6 سنوات، على بُعد 21.5 مليار كيلومتر.

مع أنه لا يدور قريبًا جدًا من الثقب، تعني الفترة المدارية الأقصر أن النجم يمتلك أقصر مسافة متوسطة إلى الثقب الأسود خلال المدار الكامل حتى الآن.

أما النجم (S4714) فله فترة مدارية أطول من (S4711) إذ تُقدَّر بـ 12 عامًا، لكن مدار هذا النجم غريب الأطوار بشدة، فمداره بيضاوي ممدود جدًا. إذا وصفنا الشذوذ أو الانحراف المداري بقيمة بين الرقمين (0) و(1)، إذ يدل (0) على المدار الدائري في الحالة المثالية، ويدل (1) على مدار ممدود جدًا، فإن قيمة الانحراف المداري للنجم (S4714) هي 0.985.

عندما يصل النجم إلى مسافة 1.9 مليار كيلومتر من الثقب الأسود (Sgr A*) وهي أقرب مسافة بينهما، وأقرب من النجم (S62)، يتسارع النجم ليصل إلى سرعة 24 ألف كيلومتر في الثانية، ثم يتباطأ عندما يبتعد لمسافة تصل إلى 250 مليار كيلومتر.

قال بيسكر: «هذه النجوم هي أول النجوم المرشحة لتكون من ضمن النجوم المضغوطة، التي تُوقع وجودها لأول مرة عام 2003».

اقترح عالما الفيزياء الفلكية تال ألكسندر ومارك موريس صنفًا من النجوم في مدارات شديدة الانحراف حول ثقوب سوداء ضخمة، تؤثر الثقوب في هذه النجوم بقوى مدية هائلة، ما يؤدي إلى تحول جزء من طاقتها المدارية إلى حرارة، ما يجعل النجم يلمع أكثر من المعتاد، ويؤدي أيضًا إلى اضمحلال النجم في مداره، أي أن هذه النجوم المضغوطة هي نجوم ميتة تدور.

قال بيسكر أيضًا: »على الأقل فإن النجمان (S4174) و (S4711) هما مرشحان ليكونا من النجوم المضغوطة. إنني متيقن من النجم (S4711) تحديدًا، لأن العناصر المدارية متوافقة مع توقعات العالم تال ألكسندر سنة 2003، وبذلك يكون (S4711) هو أول نجم مضغوط مُكتشَف«.

إذا تأكد وجود هذه النجوم، ربما نفهم التفاعلات بين الثقوب السوداء والنجوم التي -في النهاية- تلتهمها. لكنها تقدّم فرصًا أخرى أيضًا.

استُخدم النجم S2 أخيرًا لاختبار نظرية النسبية العامة، للتحقق من الطريقة التي يمتدّ بها ضوء النجم المقترب من الثقب الأسود، والطريقة التي يتحرك بها مداره مثل جهاز «سبيروغراف»، إن نظرية أينشتاين في بعض الاختبارات هي الأصعب حتى الآن.

أضاف بيسكر: «نحن أقرب بدرجة واحدة من الثقب الأسود (Sgr A*) وأسرع تقريبًا بأربع أضعاف مقارنةً بـ (S2) في أثناء مروره حول المركز، لذلك نجد تفاعلات نسبية شديدة مع النجوم (S62) و(S4711) و(S4714) كما هو الحال مع «S2.

لم تُجرَ هذه الاختبارات بعد، إذ توقف تشغيل مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة منذ ذلك الحين، لذلك قد يستغرق الحصول على الملاحظات بعض الوقت، لكنها من أهداف الفيزياء الفلكية بالتأكيد.

وبالبحث عن المزيد من النجوم القريبة، يُحتمل أن تكون السرعات الهائلة والمدارات حول الثقب الأسود (Sgr A*) مُختبئة ولم تُكتشف بعد، ومع إطلاق المزيد من التلسكوبات المطوّرة والقوية في السنوات القادمة، متضمنةً التلسكوب الضخم جدًا، يجب أن نكون قادرين على العثور عليها، إنها مسألة وقت فقط.

قال بيسكر: »أعمل باستمرار على مركز المجرّة، ومتيقن تمامًا من أن هذا لن يكون بحثنا الأخير، فالبيئة عالية الديناميكية هناك جذابة للعلماء مثل متجر حلوى للأطفال«.

اقرأ أيضًا:

اكتشاف جزيء عضوي جديد في الفضاء بين نجوم مجرتنا

هل ما زال في كوننا أي ثقوب سوداء متبقية من الانفجار العظيم؟

ترجمة: سلام محمد حسن

تدقيق: سلمى توفيق

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر