دراسة جديدة تحملُ تفسيرًا عصبيًا لتحيز الدماغ ضد المعلومات الجديدة

وفقًا لتحليل جديد بإشراف باحثين من Brown University وُجد أن الأشخاص الذين يتشاركون في أيديولوجية سياسية لديهم (بصمات عصبية) متشابهة للكلمات السياسية وطرق معالجة المعلومات الجديدة، ما يساعد في الإجابة على سؤال مهم: ما الذي يجعل شخصين من حزبين سياسيين متعارضين، يفسران نفس الكلمة أو الصورة أو الحدث تفسيرات شديدة التباين؟

فكلمة «الحرية» على سبيل المثال، أو صورة العلم الأمريكي، أو حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، من المرجح أن يكون لدى الشخص الليبرالي سياسيًا، تفسيرات متعارضة تمامًا لتفسيرات شخص محافظ عند معالجة هذه المعلومات، وتقدم هذه الدراسة الجديدة تفسيرًا لما يحدث.

فرضت النظريات السابقة أن التوجه السياسي وميول الأيديولوجيا، ناتج عن انتقاء المُستهلَك من الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي المؤثرة، والإفراط في استهلاكها، لكن فريق باحثي جامعة براون كان له رأي آخر، إذ يرى أن الاستقطاب السياسي والتوجه نحو ميول سياسية محددة، قد يبدأ قبل ذلك، وقبل التأثر بوسائل الإعلام حتى.

تُظهر دراستهم الجديدة التي نُشرت في Science Advances، أن الأفراد الذين يتشاركون أيديولوجية سياسية، لديهم بصمات عصبية متشابهة للكلمات السياسية، ويمرون بتزامن عصبي متشابه عند التعامل مع المحتوى السياسي ذاته، وأن أدمغتهم تصنف المعلومات الجديدة بالتسلسل إلى نفس وحدات المعنى، وبهذه الطريقة يظهرون كيف ينشأ الميول السياسي والتوجه الأيديولوجي في نفس اللحظة التي يتلقى فيها الدماغ المعلومات الجديدة ويعالجها.

صرح Oriel FeldmanHall، الأستاذ المشارك في العلوم المعرفية واللغوية والنفسية the Carney Institute of Brain Science at Brown University: «يلقي هذا البحث الضوء على عمليات المعالجة التي تحدث في الدماغ، وكيف ينتج الميول السياسي عنها، إذ يُعد هذا التزامن العصبي المتشابه دليلًا على أن الأدمغة تعالج المعلومات بطريقة مماثلة، ونطمح في هذا البحث إلى الحصول على معلومات أكثر عن سبب هذه المُزامنة وتفاصيل حدوثها لدى الأشخاص المنتمين لنفس الحزب السياسي».

أظهر بحث سابق من مختبر FeldmanHall أنه عند مشاهدة مقطع فيديو عن القضايا الساخنة مثل الإجهاض أو ضبط الأمن أو الهجرة «يشير لتوجهات سياسية، أو استقطاب لأيدولوجيا معينة»، فإن نشاط دماغ الأشخاص الديمقراطيين أو الجمهوريين المشاركين في التجربة، أوجد تشابهًا ملحوظًا لنشاط دماغ الأشخاص في أحزابهم.

استخدم الفريق مجموعة أساليب جديدة، وأجروا سلسلة من التجارب على 44 مشاركًا، موزعين بالتساوي بين الليبراليين والمحافظين، الذين وافقوا على أداء مهام معرفية مختلفة في أثناء خضوعهم للتصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI)، وهو جهاز يقيس التغيرات الصغيرة في تدفق الدم داخل قشرة المخ التي تحدث خلال عمل الدماغ، ويبين مناطق النشاط والخمول في القشرة عند أداء هذه الوظائف المعرفية.

أكمل المشاركون بدايةً مهمة القراءة التي قُدمت فيها كلمات مفردة مثل «الهجرة» و«الإجهاض»، وطُلب منهم تحديد إن كانت الكلمة سياسية أم غير سياسية، ثم شاهد المشاركون سلسلة من مقاطع الفيديو، كمقطع إخباري بلهجة محايدة عن الإجهاض ومناقشة ساخنة في حملة نائب الرئيس لعام 2016 عن وحشية الشرطة والهجرة. وقِيسَ نشاط دماغ المشاركين خلال التجارب باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي.

تُسمى إحدى الطرق المُستخدَمة «تحليل تشابه التمثيل»، أي عندما يرى الشخص صورة بسيطة وثابتة مثل كلمة، سيمثل الدماغ تلك الكلمة بأنماط نشاط معينة.

يمكن القول إن الدماغ يمثل الكلمة عبر تنشيط الخلايا العصبية ومشابكها بطريقة معينة، ما يشابه بصمة الإصبع تقريبًا على حد وصفهم، إذن هناك بصمة عصبية تقوم بترميز معنى تلك الكلمة داخل الدماغ. تُعد كيفية تمثيل الدماغ لهذه المعلومات وأنماط النشاط العصبي التي تحدث، مقياسًا لكيفية تفسيرها واستخدامها لتوجيه السلوك والمواقف.

في الدراسة، تعرض المشاركون لكلمات مُسيَّسة عادةً، مثل «الإجهاض» و«الهجرة» و«العصابات»، إضافة إلى كلمات قد تُفسَّر من عدة نواحٍ مثل «الحرية». وجد الباحثون عبر تحليل بيانات الرنين المغناطيسي الوظيفي أن البصمة العصبية التي أنشأها دماغ ليبرالي تشبه إلى حد كبير العقول الليبرالية الأخرى، وبعيدة عن البصمة العصبية التي أنشأها دماغ محافظ، والعكس صحيح، إن هذا مهم لأنه يوضح كيف تعالج أدمغة أنصار الحزب الواحد المعلومات بطريقة مستقطبة متشابهة، حتى عندما تكون خالية من أي سياق سياسي.

ما يستقطبُ أفكارك، هو ما يخلق الأيديولوجية التي ستتبعها

استخدم الباحثون أيضًا منهجية أحدث تُسمى «التجزئة العصبية» لمعرفة كيفية تحيز أدمغة الأشخاص عند تفسير المعلومات الواردة، إذ إن الدماغ يتلقى باستمرار مدخلات بصرية وسمعية، ويستطيع فهم هذا الوابل المستمر من المعلومات بواسطة فصلها إلى أجزاء مستقلة عن بعضها، الأمر أشبه بتقسيم كتاب من نص جامد وقالب واحد إلى جُمل وفقرات وفصول.

وجد الباحثون أن أدمغة الديمقراطيين ترمز المعلومات الواردة بالطريقة نفسها، وتعطي بعد ذلك مفاهيم حزبية مماثلة لتلك الأجزاء من المعلومات، وفي المقابل تقسم أدمغة الجمهوريين نفس المعلومات بطريقة مختلفة، أي أن كل دماغ لديه بصمات عصبية للمفاهيم السياسية أو الكلمات، وتوافقُ هذه البصمات لدى مجموعة من الناس هو ما يجعلهم أنصار الحزب ذاته.

يفسر هذا سبب قدرة شخصين من حزبين متعارضين مشاهدة المقطع الإخباري نفسه في حين يعتقد كلاهما أن المقطع منحاز ضد جانبه، إذ تُمثَّل الكلمات والصور والأصوات والمفاهيم في دماغهما بطرق متباينة ويُرمَز تيار المعلومات الواردة لدى كل منهما بشكل مختلف، (لكنه مشابه للأنصار في الحزب نفسه الذين يشاركونهم الميول) ما يخلق انطباعًا أيديولوجيًا متباينًا لديهما.

خلصَ الباحثون بنتائجهم إلى أن الأيديولوجية السياسية تتشكل من طريق التمثيلات الدلالية للمفاهيم السياسية التي تُعالج في بيئة خالية من أية أجندة متحيزة، وأن هذه التمثيلات تحدد كيفية تفسير المعلومات السياسية الواقعية، ما يخلق الميول السياسي والتوجه الحزبي الذي سيختاره الشخص، وبذلك تقدم دراستهم تفسيرًا منطقيًا لسبب نشوء الاستقطاب السياسي، ويطمحون الآن إلى معرفة كيفية استخدام هذا التفسير والفهم، لمكافحة الاستقطاب والتحيز عمومًا.

حقيقةً، لن تُعالج مشكلة الاستقطاب السياسي بحلول سطحية ومحاولات خجولة، إن هذه المعتقدات المُستقطِبة راسخة للغاية، وتؤثر فيك إلى حد فهمك للكلمات السياسية حتى، لكن فهم هذه الكيفية، وتفسير حقيقة الاستقطاب والتحيز والميول، سيدفع الباحثين أكثر للبحث عن التداخلات الممكنة والتفكير بحلول أكثر عمقًا وفعاليةً.

اقرأ أيضًا:

لماذا لا يلتزم الدماغ بقرارات العام الجديد؟

كيف يخزن الدماغ الأحداث المؤلمة بعيدًا وعميقًا في الذاكرة؟

ترجمة: لمك يوسف

تدقيق: رغد أبو الراغب

مراجعة: نغم رابي

المصدر