أعلن العلماء ملاحظة بوزون هيغز للمرة الأولى في مصادم الهادرونات الكبير، التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، على الحدود الفرنسية السويسرية بالقرب من جنيف في سويسرا. بعد مضي 10 سنوات من هذا الإعلان، ما الذي نعرفه عن ما يُسمى «جسيم الإله»؟

تُظهر البيانات المسجلة خلال السنوات العشر الماضية توافقًا كبيرًا بين النظرية والتجربة. عُرض أحدث الاكتشافات عن خصائص الجسيمات الأولية في ورقتين بحثيتين نُشرتا في مجلة Nature، أُنتجتا بالتعاون بين فريقي تجربة «أطلس» (ATLAS)، اختصارًا لـ (A Toroidal LHC ApparatuS)، و«سي إم إس» (CMS)، اختصارًا لـ (Compact Muon Solenoid).

اجتمع فريق دولي من العلماء في يوليو 2012 لإثبات نظرية بوزون هيغز التي وُضعت قبل 50 عامًا، وأعلن عن اكتشافه فريقا «أطلس» و«سي إم إس» في مصادم الهادرونات الكبير، يثبت الاكتشاف ليس فقط وجود بوزون هيغز، بل وجود حقل هيغز، وهو المجال النظري للطاقة المنتشرة في الكون.

ذكر مؤلفو «سي إم إس» في ورقتهم البحثية أن قوة تفاعل أي جسيم مع حقل هيغز يؤثر في كتلته، ويحدد حجم الذرات، ويجعل البروتون مستقرًا، ويضبط المجال الزمني لتحلل جسيم بيتا الإشعاعي، ما يؤثر في عمر النجوم.

كيف نعرف بوجود حقل هيغز؟

كتب المؤلفون: «لا نلاحظ في حياتنا اليومية أن حقل هيغز موجود حولنا في كل مكان، الطريقة الوحيدة لكشفه هي تحفيزه، مثل رمي حجر في بركة ورؤية التموجات على سطحها. جسيم «بوزون هيغز» هو ما يعبر عن هذا الاضطراب».

جاءت القياسات التي أُجريت في مصادم الهادرونات الكبير لأحد الجسيمات المطابقة للخصائص النظرية لبوزون هيغز، تصديقًا للنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، الذي يحدد أسس فهمنا للجسيمات الأولية، التي تشكل المادة والقوى من حولنا.

مع بداية دراسته، رُصد جسيم بوزون هيغز أكثر من ثلاثين مرة في مصادم الهادرونات الكبير. بعد عشر سنوات من إثبات وجوده، هل يمكن أن يطابق التوقعات؟ وهل كان حماسنا الكبير في محله؟

قدمت الجهتان المتعاونتان «أطلس» و«سي إم إس» تحليلًا تفصيليًا لنتائج الاختبارات في مصادم الهادرونات على مدى عشر سنوات، متضمنةً تجربة «أطلس» المُسماه «ران 2»، التي أُجريت بين عامي 2015 و2018. كان الهدف الرئيسي من التجارب فهم تفاعل جسيم بوزون هيغز مع سائر الجسيمات الأولية.

نوّه باحثو «أطلس» بأن الأخطاء بين القياسات التجريبية والحسابات النظرية في تجربة «ران 2» أقل بمقدار النصف من أخطاء تجربة «ران 1» التي أُجريت بين عامي 2011 و2012.

ذكروا أيضًا أن احتمالية الحصول على بوزون هيغز في تصادم جسيمي تصبح أكبر عندما تتفاعل الجسيمات المتصادمة بقوة مع حقل هيغز، أي أن «تكون ثقيلة»، لكن عند مستويات محددة للطاقة يعرف الفيزيائيون كيفية تصادم الإلكترونات والبروتونات، أي «الجسيمات الخفيفة»، لذا يعتمدون في بعض الأحيان على تصادم هذه الجسيمات لإنتاج جسيمات أثقل يمكن قياس تفاعلاتها باستخدام مجال هيغز.

فُحصت التفاعلات بين هيغز وأثقل الجسيمات الأولية المعروفة، الكواركات العلوية والسفلية والبوزونات (Z) و(W)، المسؤولة عن القوة الضعيفة، وتاو ليبتون.

توصّل الفيزيائيون في «أطلس» إلى أن البيانات وفقًا للنموذج القياسي دقيقة، ونسبة الخطأ مقبولة، تتراوح بين 5 و20٪، وفقًا لمؤلفي «سي إم إس».

فحص الباحثون معدلات إنتاج بوزون هيغز ومعدلات تحللها، إذ ينقسم هيغز إلى جسيمات أخرى عند حدوث تصادم. اقترح الفريق أن بوزون هيغز يتوافق مع توقعات العلماء عندما يحدث تفاعل مع جسيمات أخرى معروفة.

تضع الاختبارات قيودًا صارمة على العديد من نماذج الظواهر الجديدة التي تختلف عن النموذج القياسي، ذكر الباحثون: «إن التفاعلات مع الجسيمات الخفيفة جدًا مثل الإلكترون والكواركات العلوية والسفلية نادرة جدًا بحيث يتعذر على التقنيات الحالية مراقبتها».

مع أن اكتشاف نموذج بوزون هيغز القياسي كان متوقعًا في مصادم الهادرونات الكبير، فإن اكتشاف الكثير من سماته كان مفاجئًا، وتحقيق جزء بسيط من تصوراتنا بعيدة المدى عن تفاعلات هيغز بوزون في غضون 10 سنوات، يُعد إنجازًا عظيمًا، خصوصًا عندما ظننا أن العديد من قنوات إنتاج وتفكيك الجسيمات كانت بعيدة عن متناول مصادم الهادرونات الكبير. وفقًا للباحثين فإن: «كل قياس متعلق بهيغز حتى الآن كان متناسبًا مع النموذج القياسي، وهو أبسط النماذج الحالية لفيزياء الجسيمات».

«يتضح أن آلية عمل هيغز، التي اقترحها العلماء للمرة الأولى في الستينيات، مسؤولة عن كتل البوزونات (W) و(Z) وكتل الفرميونات الثلاثة الأثقل، ما يعني وجود قوة خامسة في الطبيعة منشأها بوزون هيغز».

كتب الباحثون أن أحد مفاتيح هذا الإنجاز هو كتلة بوزون هيغز ذاته، المتوافقة مع المعايير التجريبية، يقول الباحثون إن قدرتهم على تجميع واستخلاص نتائج اصطدام البروتونات الفردية، في ظل عدد هائل من التصادمات الحاصلة في التجربة، أصبح أقرب إلى متناولنا خلال العقد الماضي.

تظل الدقة هي الهدف الأهم

يقول باحثو «سي إم إس»: «مسار التحسين واضح من ناحية المفاهيم، سيكون لدينا 20 ضعفًا من البيانات في غضون 15-20 سنة القادمة من التحديث، المعروف بالسطوع العالي، الذي سيطبق على مصادم الهادرونات الكبير، إذ تتحسن تقنيات التحليل والحسابات النظرية. تُجرى التجارب لتحديد مجموعة من التفاعلات الملاحظة حديثًا».

يخطط العلماء لإجراء اختبارات تفاعلات هيغز مع الجسيمات الخفيفة (ليس بخفة جسيمات الجيل الأول من اللبتونات، مثل الإلكترونات والكواركات العلوية والسفلية)، مثل «الجيل الثاني من اللبتونات»، مثل الميونات، وقياس قوة هيغز المتمثلة في الطاقة المرتبطة بمجال هيغز.

ذكر فريق «أطلس» أننا لم نحدد بعد نتائج تفاعل بوزون هيغز مع نفسه، إذ إن تفككه نادر الحصول، ومن المتوقع أن تزيد البيانات الموجودة عن بوزون هيغز أكثر من الضعف خلال العقد القادم، ويتواصل السعي الذي استمر في السنوات العشر الماضية لفهم «جسيم الإله».

اقرأ أيضًا:

هل سيقودنا جزيء بوزون هيغز إلى الكشف عن فيزياء جديدة؟

اكتشاف نوع جديد من الجسيمات المتعلقة بجسيم بوزون هيغز

ترجمة: نور حاتم

تدقيق: أنس ديب

المصدر