لطالما تورات الطبيعة بقوانينها في ظلمة الليل، لكن الرب شاء ان يخلق نيوتن فانبلج الضياء.

هذا ما كتبه أحد الشعراء، مدحًا في احد اساطير العلم، ولعل هذا البيت يكفي، لوصف دور نيوتن في العلم، وتأثيره في من تلوه، لبناء الصرح العلمي الكبير.

وُلد السير اسحق نيوتن عام 1642م، بعد وفاة والده بثلاث اشهر، وتزوجت امه من قسًا بروتوستانتيًا، فانتقل ليعيش مع جدته، ولربما هذة النشئة البعيدة عن الأم، قد اثرت كثيرًا في شخصيته، فقد زهد النساء تمامًا، حتى انه لم يتزوج، وهذا ما عزز من فرص بقاؤه وحيدًا، منهمكًا في العلم. لم تكن في حياته اية دلالات على عبقريته، لكنه كان مثل اقرانه ملتزمًا بدراسته، وما يميزه فقط، هو كثرة تأملاته في الطبيعة.

التحق نيوتن بجامعة كمبردج عام 1661م، اي عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وقد كانت هذه الجامعة تحت تأثير الفكر الأرسطي، بالرغم من ظهور كوبرنيكوس وغاليليو، الا انها رفضت هذة الأفكار، فكانت الدراسة عن طريقة تفكير ارسطو، ومركزية الأرض للمجموعة الشمسية، وفلسفة افلاطون، الا ان نيوتن لم يقبل كل هذه الأفكار، خاصة بعد بزوغ نجم الفيلسوف الفرنسي ( رينيه ديكارت )، الذي ناقض ارسطو تمامًا، وعبر عن الكون بأنه الة ميكانكية كبيرة، ولكنها معطلة، ولا نبالغ لو اعتبرنا ان ( رينيه ديكارت ) هو اول من حرك افكار نيوتن بشكل غير مباشر، فقد اعتبر ( ديكارت ) ان الفيزياء ما هي الا عبارة عن جُسيمات صغيرة، ينتج عنها كل التأثيرات الطبيعية.

عام 1665م، تفشى وباء الطاعون في لندن، مما اجبر نيوتن على العودة الى مسقط رأسه مرة اخرى في وولثروب، ولكنه عاد الى لندن مرة اخرى، ولكن في هيئة افضل عالم في تاريخها، ففي سنتين فقط قضاهمها في وولثروب، انجز نيوتن كل اكتشافاته، وتصوراته عن الكون، ودرس قوانين كبلر وغاليليو وقام بالربط بينهما، واوصلهما للصيغة الصحيحة، وتأسيس علمي التفاضل والتكامل، لك ان تتخيل ان كل هذا في سنتين فقط، وكل هذا لما يتجاوز عمره بعد 23عام، انه لأمر مثير حقًا !!.

قبل الحديث عن اكتشافات نيوتن الفيزيائية، وجب علينا التنويه، عن موهبة نيوتن الحقيقة، التي قادته الى هذا القدر من العظمة العلمية، الا وهي قدرته الفذة على ابقاء المشكلة حية في ذهنه، حتى يتوصل الى حل لها، دون اي غموض او لبس. فكلنا يعلم كم من الصعب ان تجعل ذهنك مُركزًا على مشكلة ما لفترة زمنية طويلة، فربما سيصيبك الملل او اليأس في احد المراحل، ولكن نيوتن كان على العكس تمامًا.

فلنبدأ بنظرة نيوتن للثقالة أو الجاذبية، فهذة النظرة استمدها نيوتن من نظريته التي تنص على ” أن معدل سرعة السقوط، تتناسب مع قوة الجاذبية، وأن هذة السرعة تقل تبعًا لمربع المسافة عن مركز الأرض “، فعند اقامته بوولثروب، راى تفاحة تسقط من الشجرة، فالطبيعي ان الجاذبية الأرضية هي من اسقطت هذه التفاحة على الأرض، لكن ما توصل اليه نيوتن حينها، هو ان التفاحة حتى بعد ان سقطت على الأرض، فأن الجاذبية الأرضية تجذبها بأستمرار، ومن هنا نقل الفكرة الى الفضاء، فتوصل الى ان الأرض تجذب القمر بأستمرار بفعل قوى الجاذبية، والشمس تجذب الكواكب، ولكن قانون التربيع العكسي رياضيًا، ان قوة جذب الأشياء تتوقف على كتلتها، والمسافة بينها.

ثاني انجازات نيوتن كانت في الضوء، فعندما اسقط حزمة من الضوء على منشور زجاجي، وجد ان الشعاع الضوئي ينكسر، بعدة زوايا مختلفة، وان الضوء الناتج من هذا الأنكسار، ليس ضوء ذو لون واحد، ولكنه يتكون من سبعة الوان، وهم الوان قوس قزح كما نطلق عليها يومنا هذا، وعندما وضع منشور زجاجي اخر خلف المنشور الأول ولكن في وضع مقلوب، كان الضوء يتجمع ثانية، وينتج عنه حزمة ضوء مشابهة للضوء الأول الساقط، فاستنتج نيوتن ان الضوء الأبيض يتألف من كل الوان قوس قزح، ومن هنا خرج بأستنتاج اخر، وهو ان الضوء يتكون من جُسيمات صغيرة، اُطلق عليها فيما بعد اسم ” الفوتونات “، وقد اتفق معه العديد من العلماء، ولكن هناك من عارضه مثل ( كيرستيان هوغينز ) الذي كان يرى ان الضوء عبارة عن موجة وليس جُسيم. كانت حُجة نيوتن في هذا النقاش العلمي، هي انه لو كان الضوء يملك خاصية موجية، لكان من الأولى ان ينحرف عند مواجهته اي عائق مثل الصوت، وبالفعل بعد عدة اعوام تم اثبات ان للضوء خاصية موجية، لكن اينشتاين اعاد الحياة من جديد لنيوتن عندما اثبت ان الضوء يتكون من جُسيمات صغيرة تسمى ( الفوتونات ) بالأضافة لأمتلاكه خاصية موجية.

في الحلقة القادمة سنستعرض قوانين الحركة التي قام بصياغتها السير اسحق نيوتن.


 

المصدر

المصدر الثاني

المصدر الثالث