لبعض الوقت في نيسان عام 2020، أصبح النفط -الذي يعد عادةً عصب اقتصاد العالم- عبئًا على المخازن، وغدا الدفع لأحدهم مقابل أخذه أقل كلفةً من تخزينه.

عكست أسعار العقود المستقبلية شديدة التقلب للنفط الخام تأثير جائحة فيروس كورونا، مع انخفاض قياسي في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وفي الطلب على الوقود الأحفوري، ما جعل عام 2020 عامًا رائعًا واستثنائيًا للمناخ.

ففي الشهر الماضي، صرَّحت الأمم المتحدة ومشروع الكربون العالمي أن تلوث الكربون الناتج عن الاحتباس الحراري انخفض بنسبة 7٪؜ في عام 2020، وهذا أكبر انخفاض سنوي في التاريخ.

مع تصاعد الضغط على الحكومات للوفاء بوعودها بخفض الانبعاثات، فإن مثل هذا الانخفاض التاريخي مرحب به مع أنه بسبب الجائحة فقط.

هذا يجعل عام 2020 مناسبًا تقريبًا مع ما تحدده الأمم المتحدة على أنه ضروري للحفاظ على هدف اتفاق باريس للمناخ المتمثل في الحد من الاحتباس الحراري ضمن 1.5 درجة مئوية.

ولكن مع التوزيع المكثف للعديد من لقاحات كوفيد 19 في عام 2021، ما يتيح انتعاشًا اقتصاديًا عالميًا متوقعًا، هل سيكون عام 2020 بداية لاتجاه سنوي نحو انخفاض الانبعاثات، أم لمحة مؤقتة لا أكثر؟

قال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية لوكالة الأنباء الفرنسية: «أخشى ألا يدوم الانخفاض في الانبعاثات الذي نعيشه هذا العام إذا لم تتخذ الحكومات سياسات رئيسية جديدة».

«إذا لم تشمل خطط الحكومات للتعافي الاقتصادي سياسات الطاقة النظيفة، سنعود إلى ما كنا عليه قبل الوباء».

وأشار بيرول إلى أن الصين أكبر مصدر للتلوث في العالم، ووصفها بـ”التجربة المهمة” التي أوضحت الطريقة التي ستتعافى بها الدول الأخرى من كوفيد-19.

وقال: «نعلم جميعًا أن الصين كانت أول دولة تصاب بفيروس كورونا، وأول دولة تشهد إغلاقًا وتراجعًا في الاقتصاد، لكن الصين أيضًا أول بلد يتعافى فيه الاقتصاد مجددًا، وقد أصبحت الانبعاثات الصينية من اليوم أعلى من المستويات قبل الجائحة».

أوضحت الأمم المتحدة في تقريرها السنوي حول انخفاض الانبعاثات المؤقت في كانون الأول أن تراجع الانبعاثات في عام 2020 لن يكون له سوى تأثير ضئيل على الاحتباس الحراري على المدى الطويل دون تحول كامل نحو الطاقة النظيفة.

وصرَّحت أيضًا أن الانبعاثات وصلت إلى مستوى قياسي في عام 2019، بنحو 59.1 مليار طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون، وتلك زيادة ضخمة تقارب 2.6٪؜ عن العام السابق. ومع ذلك، فإن البلدان الأكثر تلويثًا أعطت الأولوية للقطاعات التي تعتمد كثيرًا على الوقود الأحفوري في خططها للتعافي.

وجدت دراسة أجرتها شركة Wartsila ومنظمة Energy Policy Tracker في أكتوبر أن دول مجموعة العشرين G20 خصصت 145 مليار دولار لحلول الطاقة النظيفة؛ تمويلًا للتعافي. ولكن أظهرت الدراسة أيضًا أن هذه القيمة تقابلها 216 مليار دولار خُصصت للطاقة الأحفورية.

هل ستستمر انبعاثات الكربون بلانخفاض كما شهدته في العام 2020 - كيف أثرت جائحة كورونا على الانبعاثات الكربونية في جميع أنحاء العالم

الصدمة الدورية

صرَّحت الأمم المتحدة هذا الشهر أن إنتاج النفط والغاز والفحم يجب أن ينخفض بنسبة 6 في المئة سنويًا حتى عام 2030؛ للبقاء في حد احتباس حراري 1.5 درجة مئوية.

مع ذلك، أظهر تقييم انخفاض الإنتاج أن الدول تخطط لزيادة إنتاج الوقود الأحفوري بنسبة 2٪؜ سنويًا هذا العقد، وهذا رغم الانخفاض القياسي لتكاليف تكنولوجيا الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

قال خبير استراتيجيات الطاقة في قسم مراقبة السوق في شركة Carbon Tracker، كينغسمل بوند لوكالة الأنباء الفرنسية: «كنت واثقًا من أن عام 2019 سيكون ذروة الانبعاثات؛ بسبب ميل الصناعة إلى طاقة اقتصادية أكثر».

وقال أيضًا: «إن الصدمة الدورية لكوفيد-19 أدت إلى انخفاض في تلوث الكربون الذي كان من المقرر أن يحدث على أي حال، سواء حدثت الجائحة أم لم تحدث».

وأضاف: «بلغ الطلب العالمي على الفحم ذروته في عام 2013 والوقود الأحفوري في عام 2018، كان هذا يحدث طوال الوقت قبل الجائحة أيضًا».

وقال: «يمكن الآن لمصادر الطاقة المتجددة أن تناسب نمو الطلب العالمي على الطاقة، نحو 6 إكسا جول سنويًا؛ ما يعني أن الطلب على الوقود الأحفوري يجب أن ينخفض حسب التعريف».

ولموازنة الكفة بين الانخفاض المطلوب بنسبة 6٪؜ سنويًا في إنتاج الوقود الأحفوري وخطط التنمية للدول بنسبة 2٪؜، أشار بوند إلى مبدأ اقتصادي أساسي: مبدأ العرض والطلب.

واختتم بوند: «العرض مستمر في التقلب لأن صناع القرار لم يدركوا أنه لن يكون هناك طلب على الوقود. تخيل أنك الحكومة الكندية ويمكنك دعم إنتاج النفط بقدر ما تريد. إذا لم يشتره الصينيون، فهذا أمرٌ صعب».

حوض الاستحمام الممتلئ

ما تزال الإعانات المتمثلة في الدعم المالي والإعفاءات الضريبية والكفالات عقبةً كبيرةً أمام الاقتصاد الصديق للبيئة.

وقال بيرول رئيس وكالة الطاقة الدولية: «إن G20 تنفق حاليًا ما يزيد عن 300 مليار دولار في دعم الوقود الأحفوري غير الفعال».

واختتم بيرول: «للوقود الأحفوري اليوم دعم كبير من الحكومات، خاصةً في الدول ذات الاقتصاد الناشئ، ما يخلق منافسة غير عادلة لمصادر الطاقة النظيفة، ويشوه الأسواق ويؤدي إلى الاستخدام غير الفعال للطاقة».

إضافةً إلى الانخفاض غير المسبوق في الانبعاثات، شهد عام 2020 التزامًا من الكثير من مسببي الانبعاثات بتحييد الكربون لأول مرة، ومن ضمنهم الصين واليابان.

توصلت أداة تعقب تغير المناخ إلى أنه إذا نُفذت خطط الصفر الحالية للدول، يمكن أن تخفِّض الاحتباس إلى 2.1 درجة مئوية، ما يعد غير متوافق مع اتفاقية باريس، ولكنه أفضل من المسار الحالي الذي سينتج عنه 3 درجات مئوية من الاحتباس الحراري بحلول عام 2100.

صرَّحت كورين لوكوير، عالمة المناخ والرئيسة المشاركة لمشروع الكربون العالمي أنها تتوقع عودة الانبعاثات في عام 2021 وأن تستقر في السنوات التالية.
وقالت: «إن عام 2019 قد يكون عام ذروة الانبعاثات في سيناريو متفائل، وليس الأكثر الواقعية».

وأضافت: «سنشهد تزايدًا أو استقرارًا في الانبعاثات لبضع سنوات قبل أن نبدأ بجني ثمار الاستثمارات صديقة البيئة».

وعلى الرغم من انخفاض الانبعاثات في عام 2020، فإن المناخ يستجيب لمستويات غازات الاحتباس الحراري الموجودة بالفعل في الغلاف الجوي.

قام مختبر الرصد العالمي في مرصد ماونا لوا في الثامن من كانون الأول بقياس تراكيز ثاني أكسيد الكربون وقدرت بنحو 412.87 جزء في المليون، وذلك أعلى بنسبة 0.36٪؜ عن نفس اليوم من العام الماضي.

اختتمت لوكوير: «ذلك مثل الماء في حوض الاستحمام، فطوال المئة سنة الماضية، كان الصنبور مفتوحًا والمياه تجري، ما أدى إلى زيادة حجم ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وفي عام 2020 أغلقنا الصنبور قليلاً، لكن مستوى المياه استمر في الارتفاع».

اقرأ أيضًا:

الغازات الدفيئة تصل إلى مستويات غير مسبوقة رغم تدابير كوفيد 19

هل وصلنا إلى الحدِّ من انبعاثات الغازات؟ تعرّف على مُنشأةِ التقاط الهواء

ترجمة: وسام برهوم

تدقيق: حنين سلَّام

المصدر