أظهر بحث وجود رابط بين الحياة الهادفة والمرونة، وأظهر أيضًا ترافقها مع الصحة الجيدة والعيش فترةً أطول.

وبينما يبدو السعي خلف هدفك مفيدًا، تشير أبحاث إضافية إلى الوجه السلبي لكل هذا السعي بما يُطلق عليه علماء النفس «قلق السعي إلى الغاية».

سيكولوجية الغاية

لطالما كان مفهوم «الغاية» مفهومًا صعب الفهم لعلماء النفس. فكلمة «غاية» بحد ذاتها تشتمل على تجربة إنسانية واسعة ومن الصعب البدء بوصفها.

يقول عالم النفس الإيجابي ومؤلف كتاب «أطروحة السعادة» جوناثان هايدت: في سعينا للبحث عن المعنى وراء الحياة، فنحن في الحقيقة نلتمس إجابات عن سؤالين جوهريين: ما غاية الحياة؟ وما الغاية وراء الحياة؟ ومنافع السعي خلف إجابات عن هذه الأسئلة كبيرة.

لطالما ربطت الأبحاث وجود الغاية بمستويات عالية من الصحة النفسية والعاطفية والرضى في الحياة عمومًا. حتى أن إحدى الدراسات وجدت أن امتلاك الحياة لغايةٍ ما حسّن من الصحة الجسدية ومن ثم متوسط العمر المتوقع.

لكن تكمن مشكلة هذه المنافع العظيمة في ما تلقيه من ثقل على كاهل أشخاص لا يمتلكون أدنى فكرة عن ماهية هدفهم أو كيفية إيجاده.

ما قلق السعي إلى الغاية؟

مع أن علماء النفس قد عرّفوه بالاضطراب والضيق المترافق مع البحث عن هدفك، فإن مصطلح «قلق السعي إلى الغاية» هو مصطلح حديث. كتبت الباحثة لاريسا ريني في بحثها المتعمق حول الموضوع: «مبدئيًا، يمكن تعريف قلق السعي إلى الغاية بأنه المشاعر السيئة المتعلقة مباشرةً بفعل البحث عن الغاية أو الهدف».

بتعبير آخر هو القلق الذي نكابده عند افتقارنا إلى هدف وإدراكنا لافتقادنا إياه. وتتابع ريني حديثها بأن قلق السعي إلى الغاية يسدل ظلاله في مرحلتين مختلفتين:

  •  المكافحة لإيجاد الهدف من الحياة.
  •  محاولة تشريع غايتك أو ممارسة الحياة وفقًا لشروطها.

نعاني قلق السعي إلى الغاية وفقًا لطيف يتراوح بين الخفيف والمتوسط والشديد. ويتضمن مجموعة من المشاعر السلبية منها: الشدة والحزن والإحباط والخوف والقلق.

وجدت ريني في بحثها أن 91% من المشاركين أقروا بمعاناتهم قلق السعي إلى الغاية في مرحلة من مراحل حياتهم.

قلق السعي إلى الغاية.. هل تعانيه؟ وكيف تتخطاه؟ - كيفية تعديل منظومة السعي خلف الغاية - المشاعر السيئة المتعلقة مباشرةً بفعل البحث عن الغاية أو الهدف

خمس علامات تشير إلى أنك تعاني قلق السعي إلى الغاية:

  •  تبديل الوظائف باستمرار:

كانت مسألة ملحّة بالنسبة إلي خاصةً في العشرينيات من عمري. فقد كنت أقفز بين الوظائف سعيًا خلف المكان المناسب. بينما في الأساس كنت أبحث عن إشارات ظاهرية في عملي أو شركتي لمساعدتي فى تحديد هل وجدت الغاية أم لا!

  •  الشعور بالفشل أو بأني غير كافٍ:

مع وجود العديد من القصص التي تُروى حول أشخاص وجدوا غايتهم، فقد يكون من الصعب إبعاد مشاعر الفشل عندما لا أجد نفسي على الطريق ذاته.

لطالما كبّلتني فكرة أن الغاية هي منصب مهني محدد. وعندما ألتقي أصدقاء قدامى من الجامعة وأعرف مكاسبهم المهنية وحمايتهم لمناصبهم، أذكّر نفسي أن التجارب الحياتية مختلفة ولا تتشابه تجربتان وأن الطريقة التي يجد بها أحدهم غايته لا تعني أنها الطريقة ذاتها التي سيجد بها شخص آخر غايته.

  •  الجزع حيال عدم إيجاد غايتي الوحيدة الحقيقية:

قد تبدو كلمة «غاية» فضفاضة بعض الأحيان، والبحث عن المعنى كطعنة غدرٍ في الظلام أكثر منه رحلة ميمونة. وغالبًا ما أتساءل عن امتلاكي أي هدف من الأساس!

  •  المقارنات السلبية:

الانغماس في مقارنة نفسي بالآخرين بدلًا من التفكير فيما يعنيه الهدف بالنسبة إلي.

  •  العجز عن الاعتراف بالإنجازات:

مثل العديد من صور القلق، يتعلق قلق السعي إلى الغاية بمعاناة المشاعر السلبية. فعندما أكون عالقًا في عروة سلبية من التفكير يصبح عندها من الصعب استحضار التجارب الإيجابية والإنجازات.

كيفية تعديل منظومة السعي خلف الغاية

إن سبب لك النضال في سبيل الغاية الضيق فقد يدفعك ذلك إلى التساؤل حول جدوى المعاناة.

تقول ريني أن منافع إيجاد الغاية تفوق معاناة القلق جراء السعي خلفها. وحال اعترافك بهذا القلق بإمكانك تبديل منظومتك الفكرية وملاحقة غايتك بطريقة إيجابية.

تأتي الغاية عند معرفة الذات

عندما يتعلق الأمر بإيجاد غايتك فمن المهم أن تحول العدسة نحو داخلك بدلًا من السطح. عادة ما أطلب من الآخرين إخطاري بكيفية تحقيق أهدافي، ورغم توافر نصائح مفيدة، يجب أن تنبع الغاية الأصيلة من معرفتي بذاتي.

الغايات تُخلَق ولا يُعثَر عليها:

ينصح عالم النفس التنموي ويليام ديمون بحاجتنا إلى التوقف عن النظر إلى الغاية بأنها أمر نمتلكه فطريًّا في انتظار أن نكتشفه. بدلًا من ذلك، علينا أن ننظر له بأنه: «هدف يقربنا خطوةً مما كنا نعمل دائمًا لتحقيقه. هو السهم المتجه إلى الأمام الذي يحفزنا ويشكل الأساس التنظيمي لحياتنا».

تتنامى الغاية من تجاربنا الشخصية والتحديات التي نواجهها

سافرت الباحثة ومديرة مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد إميلي أصفهاني سميث حول العالم لدراسة مفهوم الانتماء والغاية. تقول: «إن الغاية غالبًا ما تبدو أكبر من حقيقتها، ويكمن السر في تجليها في تجاربنا الروتينية. تبدو الغاية شديدة الأهمية مثل إنهاء المجاعة من العالم، أو إزالة الأسلحة النووية، لكن ليس من الضروري أن تكون بهذا القدر من الضخامة. بإمكانك إيجاد هدفك في أن تكون أبًا صالحًا لأولادك، أو في خلق بيئة عمل مبهجة أو في إدخالك الفرح إلى حياة شخص ما».

في النهاية، تأخذ الغاية العديد من الوجوه. والغاية التي تجدها اليوم قد تختلف عن الغاية التي تجد نفسك تعيش وفقًا لشروطها بعد عدة سنوات أو حتى عدة أشهر.

في مجتمعاتنا التي تقدس النجاح يبدو الأمر وكأننا نعمل وفق جدول عملٍ مزدحم سعيًا للوصول إلى مكتسبات مهمة. وما علمني إياه التعمق في البحث حول الغاية هو أن لا وجود لأرباح سريعة أو مُهل زمنية. في الحقيقة، كلما طال الوقت الذي استثمرناه في اكتشاف هذه الجزئية من ذواتنا كانت النتائج أفضل.

اقرأ أيضًا:

ما اضطراب القلق المرضي؟

اضطراب القلق المعمم

ترجمة: سِوار قوجه

تدقيق: حنين سلَّام

المصدر