هل هو موسم الحساسية الأسوأ في نصف الكرة الشمالي؟ يبدو أن الحساسية ومسبباتها قد زادت أكثر من أي وقت مضى، هكذا ظن العديد من الناس الذين عانوا حساسيةً، أو أصيبوا حديثًا بالحساسية الموسمية التي تصاحب فصل الربيع عادةً، وتسبب سيلان الأنف والسعال. في الواقع هم محقون، إذ تزداد أمراض الحساسية في نصف الكرة الشمالي، ففي أوروبا مثلًا، يعاني نصف الأشخاص تقريبًا حساسيةً غذائيةً أو بيئية، وقد زادت خطورة كلا النوعين، وتكررت الإصابات على مدى العقد الماضي.

كيف تسبب بيئتنا الحساسية قبل الولادة - موسم الحساسية الأسوأ في نصف الكرة الشمالي - سيلان الأنف والسعال والاحتقان - التعرض للمواد الكيميائية قبل الولادة

تبدأ العديد من أنواع الحساسية في مرحلة الطفولة. وفقًا للاتحاد الأوروبي للحساسية وأمراض الجهاز التنفسي، يتعرض 65٪ من الأطفال لنوع من الحساسية قبل بلوغهم 18 شهرًا. وأشارت الدراسة الدولية للربو والحساسية في مرحلة الطفولة إلى أن أكثر من 20٪ من الشباب الأوروبي تظهر عليهم أعراض تحسسية تجاه الروائح أو الأطعمة خلال طفولتهم.

قد تبدأ الحساسية قبل ولادتنا

يُعَد الاستعداد الجيني عاملًا مهمًا، إذ توصل الخبراء حديثًا إلى أن الروائح التي تستنشقها النساء الحوامل، والطعام الذي يأكلنه، يؤثر في أجنتهن. وقد شهد العقد الماضي ظهور أدلة إضافية على الصلة بين النظام الغذائي ونمط حياة الأم في أثناء الحمل، وصحة طفلها في المستقبل.

مولت الحكومة الفلمنكية (إقليم بلجيكي) -بالتنسيق مع منظمة(فيتو)، وهي منظمة أوروبية مستقلة رائدة في البحث والتكنولوجيا- دراسةً جماعيةً اهتمت بالأمهات وأطفالهن وركزت على المواليد في إقليم (فلاندر). بينت نتائج الدراسة وجود ارتباط بين التعرض لملوثات الهواء الناجمة عن حركة المرور قبل الولادة (ثاني أكسيد النيتروجين وجسيماتPM10 غالبًا)، وتطور أعراض الربو لدى الصغار في سن الثالثة.

وعلى هذا علمنا أن التعرض للمواد الكيميائية قبل الولادة قد يعرض الطفل لخطر الحساسية مستقبلًا. وتفسر دراسات حديثة أخرى هذا الارتباط بتغيرات مَثيَلة الحمض النووي (أي إضافة مجموعة ميثيل) فوق الجينية، الناجمة عن عوامل بيئية.

يحدد حمضنا النووي أو مخططنا الجيني شكلنا الخارجي وشخصيتنا إلى حد ما، أما التفاصيل الباقية فهي مسؤولية العوامل الوراثية فوق الجينية، التي تتحكم في التعديلات فوق الجينية، دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.

تعني مَثيَلة الحمض النووي إضافة مجموعات (ميثيل) إليه، ما يؤثر في طريقة تعبير الجينات، وكيفية عملها.

إضافة مجموعات ميثيل إلى حمضنا النووي قد يغير تعبير جيناتنا

إضافة مجموعات ميثيل إلى حمضنا النووي قد يغير تعبير جيناتنا

مثلًا، الأمهات اللائي يتعرضن للمركبات الكيميائية، أو يعتمدن نظامًا غذائيًا سيئًا -كالنظام الغذائي الغربي الحديث الذي تهيمن عليه الأطعمة المصنعة، الفقيرة بمضادات الأكسدة، الغنية بالأحماض الدهنية المشبعة- قد يسببن تغير أنماط مَثيَلة الحمض النووي لدى أطفالهن، خاصةً خلال مراحل الحمل المبكرة، ما يؤدي إلى تشغيل بعض الجينات وتعطيل بعضها الآخر، ومن ثَم زيادة خطر إصابة أطفالهن بالحساسية.

إضافةً إلى ذلك، يرتبط استهلاك الفواكه والخضراوات والأسماك بانخفاض معدل انتشار الربو. وكذلك فإن اتباع حمية تتضمن الأسماك الغنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة، التي توجد أيضًا في المكسرات والبذور والمحار وغيرها، يوازن الاستجابة التي تسبب الحساسية.

استهلاك الفاكهة بانتظام يساعد على تخفيف الربو

استهلاك الفاكهة بانتظام يساعد على تخفيف الربو

يساعد الالتزام المبكر بالنظام الغذائي المتوسطي -الذي يتضمن زيت الزيتون وجبن الماعز والفواكه وغيرها- على منع تطور حساسية الأطفال.

يمكن عكس هذه التغيرات فوق الجينية إلى حد ما، إذ تشير الدراسات إلى إمكانية عكس التغيرات فوق الجينية التي تسبب زيادة وزن الجسم، من طريق تناول المكملات الغذائية التي تتضمن المغذيات الأساسية، مثل الكولين والبيتاين وحمض الفوليك.

إن التعرض للمخاطر الشديدة أو المزمنة، كحالات المجاعة أو الإفراط في تناول الطعام أو التعرض للمواد الكيمائية خلال الحمل، قد يغير النمط فوق الجيني تغييرًا كبيرًا، لدرجة ترك علامة دائمة على حمض الطفل النووي، ما يسمح بانتقال هذه العلامة إلى الجيل القادم، فيزداد خطر الإصابة بالأمراض منذ الولادة. يوضح ذلك أهمية رعاية ما قبل الولادة، من أجل صحة الأجيال المستقبلية.

الكشف عن حساسية الجهاز التنفسي عند الصغار

درس بحث (فيتو) الفرضية القائلة بأن التعرض للمواد الكيميائية في أثناء الحمل وسنوات العمر الأولى يغير أنماط مَثيَلة الحمض النووي لدى الأطفال الصغار، الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و11 سنة، ما يؤثر في جهاز المناعة، ويزيد خطر الإصابة بالحساسية مستقبلًا.

يتأثر الأطفال والنساء الحوامل خاصةً بملوثات الهواء الناجمة عن المواصلات

يتأثر الأطفال والنساء الحوامل خاصةً بملوثات الهواء الناجمة عن المواصلات

تضمن البحث 170 من الأمهات والأطفال، ضمن مجموعتين مختلفتين من مواليد (فلاندر)، ضمت المجموعة الأولى أطفالًا يعانون حساسيةً تنفسيةً مثل حمى القش، والربو، وحساسية عث غبار المنزل، وشملت المجموعة الثانية أطفالًا أصحاء، ثم حُللت الاستبيانات وعينات اللعاب، وكشف فحص أنماط مَثيَلة الحمض النووي للأطفال عن قائمة من 27 منطقة جينية، أظهرت أنماطًا معدلةً من مَثيَلة الحمض النووي، وعلى هذا يمكن استخدام هذه الأنماط لتشخيص الحساسية التنفسية.

من المثير للاهتمام، وجود ارتباط بين الأنماط المتغيرة لمَثيَلة الحمض النووي في 3 جينات، والتعرض لملوثات الهواء -الناتجة من حركة المرور- خلال الحمل، وكذلك في أثناء حياة الطفل حتى عمر 11 عامًا. ما يشير إلى أن هذه التغيرات فوق الجينية المرتبطة بالحساسية تنتج من التعرض المبكر لملوثات الهواء.

تنظم هذه الجينات المحددة تفاعلات الأمراض التحسسية، وتفيد دراستها في تطوير أدوات الفحص التشخيصي. وإذا أمكننا الكشف عن التعرض للمواد الكيميائية، وما ينتج عن التغيرات في أنماط مَثيَلة الحمض النووي مبكرًا، فيمكننا وضع استراتيجيات على مستويات مختلفة لمنع التعرض للمواد الكيميائية ، أو خطر الإصابة بالحساسية، أو كليهما، خاصةً لدى الأطفال، كمراجعة التشريعات المتعلقة بحدود تلوث الهواء، أو السعي إلى تحسين تعليم آباء المستقبل.

اقرأ أيضًا:

10 من مسببات الحساسية غريبة ومدهشة

ما هي حساسية الطعام أو الحساسية الغذائية ؟

ترجمة: محند سعيد حمادوش

تدقيق: راما الهريسي

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر</a