انظر خلف الراوتر (الجهاز الموصل للإنترنت) وستجد سِلكًا غريبًا يتصّل به من الخلف، بشكلٍ شبيه لشكل الثعبان، يمتلك هذا السلك رأسًا صغيرًا يرتبط بسلكٍ طويل ولامع من الخلف.

عندما تنزع هذا السلك من الراوتر ستسمع صوتًا مميزا له.

يتميز هذا السلك بكونه يمتلك رأسًا شفافًا، والعديد من الأسلاك الملوّنة والملتوية حول بعضها البعض لتشكيل موصلٍ واحدٍ فقط.

توفّر لك هذه الأسلاك خدمة الإنترنت.

ومع ذلك أليس من الغريب أنّه لا يجدر بهذه الأسلاك – التي توصل الراوتر بمزوّد خدمة الإنترنت من على بُعد أميال – أن تكون مجمّعة على شكل الشعيرات، بدلًا أن تكون ملتفّة حول بعضها البعض؟

تقليل الضوضاء

لن يقوم أيّ مهندسٍ بالتعديل على جهاز ما لطالما لن يعود هذا التعديل بنفع ما. إنّ هذه الأسلاك الملوّنة ليست ملتوية بهدف أن تبدو أجمل وإنّما لتقليل إشارات الضوضاء غير المرغوب بها.

كان (ألكسندر جراهام بيل – Alexander Graham Bell) أوّل شخصٍ يدرك ميّزات نقل الإشارات عبر الأسلاك الملتوية.

على الرغم من أنّ الأسلاك الهاتفيّة لم تكن ملتوية بشكلٍ معقّد أو مكثّف كما هي اليوم، فإنّه على كلّ زوجٍ من الأسلاك التي تقوم بإرسال واستقبال الإشارات الهاتفيّة أن يكون ملتويًا، أو أنّ مواقعها ستتبدل على كلّ عمود (قطب).

هذه الأعمدة تنفصل بمسافاتٍ متساوية على بُعد عدّة كيلومترات. ولا يزال من الممكن العثور على هذه الأعمدة، والتي تُعتبَر الآن بقايا حقبةٍ مجيدةٍ من الاكتشافات والابتكارات العمليّة، والتي شهِدت ولادة العصر الحديث.

تتساوى الإشارات المنقولة عبر السلْكَين في القيمة، لكنّها بالمقابل تختلف في القطبيّة.

وِفقًا لذلك، إنْ حَمَل أحد الأسلاك إشارةً بشحنة (A+) فإنّ السلك الموازي له سيحمل شحنة (A-).

تسمى هذه الإشارات إشارات تفاضليّة (مختلفة)، حيث أنّ (المُخرَجات – outputs) المُنتجة من قِبَل المُستقبِل هي عبارة عن الفرق الحسابيّ لهذه الإشارات. يقوم المُستقبِل بطرحِ الإشارتين (A+) و (A-) من بعضهما ليعطينا ناتج (2A).

لكن لماذا تبدو هذه العمليّة ممتازةً وأنيقةً؟

استقبال المُستقبِل للإشارات (A+) و (A-) دون ضوضاء يحدث في عالمٍ مثاليّ فقط، حيث أنّ البيئة ستُحدث – بالضرورة – ضوضاء في الأسلاك وتفسد الإشارات، لكنّ حدوث هذه الضوضاء في الأسلاك لا يسبب حدوث أيّ انعكاسٍ في القطبيّة. يقوم مصدر الضوضاء بتحفيز مكوّن الجهد في السلكين.

لنفرض أنّك تمتلك (N+) – وليس (N+) و (N –) معًا – وبالتالي فإنّ الاشارات الناتجة تالفة، إذ أنّ المُستقبِل الآن بقوم باستقبال (A+N) و(N-A) لذلك ناتج الطرح منهم سيكون (2A) وهو خالٍ من الضوضاء تمامًا.

كان من المستحيل إنكار هذا! بالرغم من ذلك فهذا الأمر مبنيّ على مغالطة، وهذا بسبب اعتماده على افتراض كون الضجيج المُستحث في السلكين المتوازيين متساويين في القيمة، وهذا غير صحيح، فالمصدر قد يكون على بعدٍ غير متساوٍ من السلكين، وبالتالي سيتعرّض أحد الأسلاك إلى ضوضاء أكثر. كيف نحلّ هذه المشكلة؟

حسنًا، يمكن حلّ هذه المشكلة من خلال تعريض السلك الآخر إلى ضوضاء أكثر، وبالتالي سيتعرّض السلكين لكميّة متساوية من الضوضاء. إذا تعرّض السلكان بشكلٍ منتظم لمصدر ضوضاء (turn by turn) فإنّ كميّة الضوضاء التي يتعرض لها السلكان ستكون متساوية. يمكننا تحقيق ذلك من خلال لفّ الأسلاك.

التداخل الكهرومغناطيسيّ – (EMI)

بعد قرن، لم تعُد الأسلاك سميكة ومشدودة بين قطبين طويلين، بدلًا من ذلك أصبحت الأسلاك رفيعة جدًا، وغالبًا ما وُجِدَت ملفوفة داخل مكعّبات صغيرة غريبة الشكل.

تكمن المشكلة هنا في كون الضوضاء ليست ناتجة عن البيئة فقط، بل عن الأسلاك الأخرى الموجودة في المناطق المجاورة.

تشعّ الإلكترونات المتحرّكة – كالتي تشكّل تيّارًا لمادة موصلة – موجات كهرومغناطيسيّة.

الموجات الكهرومغناطيسيّة الناتجة عن أحد الأسلاك تمتلك قدرةً على تشويش الإلكترونات في السلك بجانبها. وبما أنّ الموجات الكهرومغناطيسيّة تشمل مجالات متذبذبة أو متغيرة فإنّ بإمكان الموجة التي تمرّ عبر سلك أن تحفّز تيارًا فيها. يُطلَق على هذه العمليّة اسم “cross talk”، كما يُسمّى هذا النوع من الضوضاء بالتداخل الكهرومغناطيسيّ.

حاليًا، التداخل الكهرومغناطيسيّ يمثّل قلقًا كبيرًا عندما تكون الإشارات غير تناظريّة، وإنّما رقميّة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الإشارات لا تنتقل في موجات جيبيّة، بل تُتَرجَم إلى لغة (الباينري – binary) – (0s) و(1s) – وهي اللغة الوحيدة يفهمها الكمبيوتر. لكنّ إشارات الباينري هي إشارات تناظريّة قياسيّة: أيّ في حال كان الجهد الكهربائي (A) يُترجم إلى (a’0’) فإنّ (2A) يُتّرجَم إلى (a’1’).

حاليًا إذا كانت الضوضاء البيئيّة والتداخل الكهرومغناطيسيّ يحفّزان مكوّنات الجهد الكهربائي بدون تمييز – أيّ أنّ الضوضاء المنبعثة في السلكين لا تتساوى في القيمة – فإنّ الناتج سيكون أقل من (2A) بالتأكيد.

في هذه الحالة يَصعُب على الكمبيوتر التمييز بين 0 و1، ومن الممكن أن يخلط بينهما، ممّا سيؤدي لحدوث أخطاءٍ فظيعة.

بعد جدلٍ واسع، – في الواقع، الإزالة المطلقة للضوضاء غير ممكنة – اختُصِرَت الضوضاء في صورتين، الأولى: كما ذكرنا، التعرّض المتساوي للمصدر يساعد على إلغاء معظم الضوضاء وذلك من خلال الطرح الذي يتمّ في المستقبِل، والثانية: مع كلّ لفّة أو طيّ في السلك تتغيّر قطبيّة الحقل المغناطيسيّ الناتج عن السلك، بحيث تتعارض التيارات في القطبيّة ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إلغائهما لبعضهم البعض بهدف إنتاج إشارات خالية من الضوضاء، ولكن ليس بشكلٍ الكامل.

بهدف تحسين وضوح الإشارة أكثر على الأسلاك أن تكون أسمك أو أرفع، معزولةً بشكلٍ أفضل، أو متنوّعة بعدد لفّاتها وِفقًا لتطبيقاتها. مع هذا نادرًا ما ستجد الأسلاك مفكوكة أو غير مجدولة – إذا وُجِدَ من الأساس -.


  • ترجمة: أحمد مجدي حسين
  • تدقيق: آية فحماوي
  • تحرير: صهيب الأغبري
  • المصدر