في يوم خريفي معتدل من عام 2009، صعد رجل إنجليزي يدعى ستيفن ويلتشير في رحلة على متن طائرة هليكوبتر حول مدينة نيويورك. بعد الهبوط، أُخِذ ويلتشير إلى معهد برات في بروكلين، وبدأ الرسم. بعد سبعة أيام، امتدّ على الورق نموذج مكتمل ومضبوط بالتفاصيل جميعها للأبنية الظاهرة في المنظر الجوي.

305 أميال مربعة لمجموعة من أكثر الإنشاءات المتحضّرة كثافة في العالم، طافتْ في دماغ ويلتشير خلال 20 دقيقة في الهواء، وطافتْ مجددًا على الورق عبر يديه، وذلك فقط لأنه نظر إليها في ذلك اليوم.

ويلتشير، متوحّد موهوب، أي: شخص مصاب باضطراب طيف التوحّد (ASD)، ويملك مواهب استثنائيةً في الذاكرة والتنسيق تفوق بالتأكيد قدرات المحترفين الذين تدرّبوا على مهارات مشابهة لفترات طويلة.

بالنسبة لويلتشير، استذكار ورسم مناظر المدينة بأدقّ تفاصيلها سهل وغير ملحوظ، وكأنه أداءٌ لرسم عشوائي.

شُخّص ويلتشير بالتوحّد في عمر الثالثة، كان غير قادرٍ على الكلام ويستطيع التواصل بشكل غير لفظي فقط. باكرًا، تطوّر في مجال السيارات تطورًا مذهلًا، وطوّر معرفة موسوعية بالسيارات الأمريكية مع تفاصيل عن مواصفاتها وإنتاجها. هذه العوامل من التركيز العالي والوسواس شائعة لدى العديد من الأشخاص المتوحّدين.

بطبيعة الحال، لا يوجد شيء نمطي حول مهاراته في الرسم، ففي عمر السابعة بدأ ستيفن برسم أبنية لندن، كان عمله مفصّلًا ومتقنًا معماريًا حتى أدّق الملامح، وما يزال غير قادرٍ على التحدّث، ويتواصل عبر رسوماته.

في عمر الثامنة، أنجز أول مهمة له. لم يتعلّم الكلام، لسنة أخرى، لكنه أثناء ذلك كان جيدًا بطريقته في إدراك العالم.

في عام 2006 وبعمر 32 عامًا، مُنِح ويلتشير وسام الإمبراطورية البريطانية، وافتتح له معرضٌ دائمٌ في (رواق الأوبرا الملكي -Royal Opera Arcade) في لندن.

ما الذي يجعل الشخص المتوحّد موهوبًا؟

الموهوب هو من شُخّصَ بمتلازمة الموهوب، وهي حالة كان يُشار إليها قديمًا بمصطلح (العالِم الأبله). بحسب دارولد تريفيرت، وهو أستاذ في الطب في جامعة ويسكونسن في مدينة ماديسون، فإن متلازمة الموهوب نادرة لكنها حالة استثنائية لدى الأشخاص المصابين بعجزٍ عقلي شديد، بما في ذلك اضطراب طيف التوحّد، فهم يملكون (جزر العبقرية) التي تشكّل تناقضًا ملحوظًا مع كامل الإعاقة. كما أن واحدًا من كل عشرة أشخاص مصابين بالتوحّد لديهم قدرات ملحوظة بدرجات مختلفة.

تحدُثُ متلازمة الموهوب نتيجة لصعوبات تطوّرية أخرى أو أنواع أخرى من أذيات أو أمراض الجهاز العصبي المركزي، ودائمًا ما ترتبط مهارات الموهوب الخاصّة بذاكرة قوية.

يأتي عجز التوحّد أحيانًا مع هبة استثنائية، يفتتن العديد من الناس بالموهوبين المصابين بالتوحّد. فما الذي لا يصدق أكثر من شخص يظهر عجزًا شديدًا في رد معظم التحيات لكن لديه طاقات فوق القدرة البشرية في مجالات أخرى؟

في حالات مختلفة، أظهر الموهوبين القدرة على:

  •  تذكُّر الكتب بسهولة بعد لمح صفحاتها مع استذكار تام لكل كلمة.
  •  قدرات استثنائية في الحسابات الرقمية، مثل القدرة على معرفة اليوم لأيّ تاريخ معطى في ثوانٍ.
  •  عبقرية موسيقية، مثل القدرة على العزف على الآلات مباشرة، كالخبراء، من المرة الأولى.
  •  مهارات متقدّمة في تعلّم اللغة.
  •  القدرة على قياس المسافات المرئية بدقّة من دون مساعدة الآلات.

تبدو هذه القدرات خارقة للطبيعة تقريبًا وتجذب قدرًا كبيرًا من الاهتمام، لكن هذا الافتتان يقود أحيانًا إلى الكثير من المفاهيم الخاطئة.

من أكثرها ضررًا، تلك التي تفترض أن كلّ الموهوبين مصابون بالتوحّد، وهذا افتراضٌ بعيد عن الحالة، في الواقع، فقط حوالي نصف الموهوبين يعانون من التوحّد.

بطبيعة الحال، الموهوبون أكثر عرضة لامتلاك بعض الأعراض المشتركة مع المصابين بالتوحّد، ويوجد أيضًا ارتباطٌ جينيٌّ إيجابيٌّ قويٌّ بين الظاهرتين.

أظهرت الدراسات أن العائلات التي لديها احتمالات متزايدة للإصابة بالتوحّد، يملك أطفالها أيضًا فرصة متزايدة لإنجاب موهوبين.

الموهبة أكثر شيوعًا لدى الأشخاص المصابين بالتوحّد. في الواقع، 10% تقريبًا من الأشخاص المصابين بالتوحّد معترف بهم كموهوبين، وتقريبًا يشكّلون 1% فقط من التعداد السكاني، وعلى الرغم من معاناتهم من إعاقات في النمو، فليس كل الموهوبين عاجزين بطريقة ما، فبعضهم أشخاص عاديين في كل مجال آخر غير مهارات موهبتهم الخاصة.

لا يُعفى المصابين بالتوحّد من المسائل التطوّرية النمطية المرتبطة بالتوحّد لأنهم موهوبون. فما يزالون يعانون من عجز في التواصل وتأخّر تطوّر اللغة ومشاكل في التفاعل الاجتماعي وقضايا شعورية.

مع أن الموهبين يمتلكون قدرات استثنائية، لا يوجد رابط واضح بين نسبة الذكاء IQ أو المستوى الوظيفي والموهبة. المصابون بالتوحّد ذوو المستوى الوظيفي المنخفض جدًا أو منخفضي مستوى الذكاء يمكن أن يمتلكوا موهبة، بينما المصابون بالتوحّد ذوي المستوى الوظيفي العالي أو مرتفعي نسبة الذكاء يمكن ألا يمتلكوا موهبة على الإطلاق.

بعبارات أخرى، الموهوب هو شخص يمتلك تحدّيات مشار إليها بأنها تناقض قدراته الفريدة في المنطقة نفسها. يمكن أن يمتلك نسبة ذكاء منخفضة جدًا أو تحدّيات عقلية أخرى ومع ذلك يظهر قدرات تفوق البشر في منطقة واحدة مخصّصة جدًا، قد يكون الموهوبون متوحدّين أو لا.

يملك الموهوبون غالبًا قدرات استثنائية في الموسيقى والفن وحساب التقويم والرياضيات أو المهارات الفراغية والميكانيكية.

يستطيع موهوبون مشاهير، مثل: ريموند بابيت، النموذج الذي استندتْ إليه شخصية رجل المطر للممثل دوستن هوفمان، أن يحسب مباشرة تاريخ أيّ حدث يعود إلى مئات السنين في الماضي أو المستقبل.

من المهم ملاحظة أن الموهوبين والأشخاص المهرة المصابين بالتوحّد ليسوا متطابقين، إذ يوجد العديد من المتوحّدين الذين لديهم مهارات عادية لكن متلازمة الموهوب نادرة وشديدة.

بعبارات أخرى، الشخص المصاب بالتوحّد القادر على الحساب جيدًا أو العزف على الآلات أو أيّ مهارة أخرى يقدّم نفسه شخصًا ذا مقدرة عالية ولكن لا يُعرَّف كموهوب.

تساعدنا العلاقة بين الموهبة والتوحّد على فهم كلا الاضطرابين بشكل أفضل، كما تساعدنا حقيقة أن العديد من الموهوبين ليسوا مصابين بالتوحّد اعتمادًا على فهم أوسع حول التوحّد ذاته.

لا يولد كل الموهوبين بقدراتهم، فبعضهم يكتسبها فقط بعد الإصابة بأذيات دماغية.

يسمح هذا للعلماء بتحديد الجزء من الدماغ المسؤول عن القدرات الاستثنائية ببعض درجات الدقّة، فقد أظهرت أذيّة الجزء الأمامي الأيسر من الفصّ الصدغي أنها تسبّب الحالة.

استخدمتْ الجهود التجريبية تنبيهًا مغناطيسيًا عبر الجمجمة لتعطيل هذا الجزء من الدماغ مؤقتًا، منتجةً مهاراتٍ مؤقتةً مشابهةً للموهوبين.

يفوق الذكور الإناث عددًا في تشخيص التوحّد، يفوقونهم أيضًا في حالات الموهبة، فتقريبًا، 1 فقط من كل 6 موهوبين هم إناث.

تشير بعض الدراسات الأولية إلى أن هذا الاختلاف قد يكون تبعًا للمرحلة المتأخرة من ضعف التطور في نصف الكرة المخية الأيسر نتيجة التعرّض الزائد للتستوستيرون لدى الأجنة الذكور. يمكن أن يُسنَد إلى هذا الاكتشاف سبب شيوع التوحّد بين الذكور.

رغم استمرار وجود العديد من الأسئلة، هذا يقدّم دليلًا إضافيًا لسبيل وأسباب المرض.

هل متلازمة الموهوب شيء جيد؟

من الشائع بوضوح، إِخبار آباء الأطفال المصابين بالتوحّد بأنهم محظوظون وأن ولدهم مصاب بالتوحّد ما يعني ذكاءً وقدرةً عظيمة.

الحقيقة أن قلّة من المصابين بالتوحّد موهوبون، مع أن العديد منهم ذكي جدًا. يُقدَّر أن واحدًا فقط من كلّ عشرة أشخاص مصابين بالتوحّد، موهوبون.

من المغري رؤية متلازمة الموهوب كشيء إيجابي، فالموهوبون أشخاص مثيرون للإعجاب بقدراتهم المختلفة عن أقرانهم العاديين.

لكن ليس بالضرورة أن تجعل تلك المتلازمة الحياة أسهل، وفي بعض الحالات يمكن أن تجعلها أكثر صعوبة.

يملك بعض المتوحّدين الموهوبين قدراتٍ استثنائية يمكن أن تُوسَّع أو تُوجَّه في مجالات مفيدة. كمثال، يستطيع بعض الفنانين والموسيقيين الموهوبين المصابين بالتوحّد بيعَ أعمالهم. في معظم الحالات، مهارات الموهوب هي مهارات منفصلة، أي أنها مهمّة وحقيقية لكنها لا تُستخدَم في الحياة اليومية، فالقدرة على سرد صفحات كتاب الهاتف من الذاكرة -على سبيل المثال- هو عمل مذهل لكنه لا يقدم هدفًا ذا مغزى.

اقرأ أيضًا:

أصبح من الممكن توقع إصابة الطفل بالتوحد بفحص العينات المنوية

العلاقة بين الألزهايمر و التوحد

ترجمة: سلام الونوس

تدقيق: حسين جرود

المصدر