"هل الجهل نعمة؟" خطورة المعلومات الوراثية

“هل الجهل نعمة؟”
خطورة المعلومات الوراثية

إنّ التطور في اختبارات المادة الوراثية و قدرة الناس على اكتشاف التسلسل الكامل لمداتهم الموروثة يعصف بالكثيرِ من الأسئلة الأخلاقية المتعلقة بهذا الموضوع.
في حين أن الاختبارات و التجارب على المادة الوراثية تسيطر على جانب كبير من العلوم الطبية الحديثة، فإنّ كُلٌ من الصناعات الطبية و صناعات الأدوية تحاول أن تكون مُبتَكِرة في اختبارات الكشف عن الأمراض الوراثية جنباً إلى جنب في محاولةٍ لابتكار علاجات تتناسَب مع التسلسل الوراثي لكلِ شَخص
و لكن مع تَفاؤل الأطباء بالنسبة لهذا الموضوع و تَحَمُسِهِم تَبقى الأسئلة الأخلاقية التي يُثيرُها هذا الموضوع عالقة بدون أجوبة.
فمن لَهُ الأحقية في استخدامِ هذه المعلومات؟ كيفَ السبيلُ إلى حِمايَتِها و لِمَن يَجِب أن تُكشَف ، كل هذه الأسئلة من شَأنِها أن تقلل من حَماسَةِ الأطباء في هذا المجال.

و فيما يَتَعَلق بهذا الموضوع قامت بَعض الحكومات مِثل الحكومة الأمريكية بفرض قوانين حماية مثل قانون (عدم التمييز بناءاً على المعلومات الجينية) GINA، و لكن هذه القوانين لَم تُسن لتشمل عمل الأطباء و الباحثين فيما يَخُص هذا الموضوع فاقتصر تطبيقها على شركات التوظيف (أماكن العمل)، و شركات التأمين لتحمي الأشخاص من التعرض لرفضٍ ما بُناءاً على معلوماتهم الجينية، و بالتالي فإنّ أي سياسة تُتَّبَع مِن قِبَل العاملين الصحيين في هذا المَجال تكون باستِشارة مختَصين و بناءاً على الحالة التي يتعامَلونَ مَعَها
“نحن نتعامل و هذا الموضوع مِن مُدة لَيست بالقصيرة”، أوضح Kimberly Strong مساعِد البروفيسور في علم الأخلاقيات في كلية ويسكنسون للطب، كما أضاف قائلا “الفرق الآن في كمية و ضخامة المعلومات التي نتعامل معها فالجينوم البشري هو تسلسل كبير لنقوم بالسيطرة على قدرتنا لاكتشافه تماماً”
تكمن المشكلة الحقيقة في اختبارات الكشف عن المعلومات الجينية في رغبة الأشخاص السليمين و الذين لا يملكون أي مؤشرات تستدعي الكشف الجيني عن أمراض محددة بالكشف عن معلومات التسلسل الجيني الكامل و من شأن هذه الاجراءات إثارة الأسئلة بدلًا من إعطاء أجوبة شافية لكلٍ من الأفراد و الأطباء.
“حتى علماء الجينيات لم يستطيعوا إلى الآن إكتشاف ماذا يعني التسلسل الوراثي الكامل للبشر فقد أمضوا الكثبر من الوقت في اكتشاف ما هي التسلسلات الصحيحة من التسلسلات المرضية” يعلق المؤسس و البروفيسور Ellen Clayton في مركز الأخلاقيات و المجتمع في Vanderbilt University.


(ليس كل المعلومات الوراثية يجب أن تُعامل بالتساوي)
سيكون من الأسهل لو أن الأطباء تعاملوا مع نتائج الاختبارات و الفحوصات للمادة الوراثية كما يتعاملون مع أي أنواع فحوصات أُخري، لكن و للأسف الأُمور لا تَجري بهذه الطريقة في عالم الكشوفات الجديدة هذه.
“مِنَ الواضِح أن حَجم المعلومات التي نعرفها يَتَضَخَم ومن الأُمور التي يَجِب تَحديدُها هيَ مَعرِفة ما إذا كانت هذه المعلومات تشبه أيَة معلومات أخري كنا في ما سَبَق نتعامل معها أم أنَ لمثل هذه المعلومات خاصيتها الفَريدة”
قالت Andrea Vicini مساعدة البروفيسور في الدراسات الدينية الأخلاقية في جامعة بوستن و أضافت “إن قدرتنا على الإجابة على هذا التَساؤل ستكون لها العديد من الآثار الجانبية “.
و ليكون الموضوع أكثر وضوحاً، فإنه و في حالات مرض السرطان، القيام بمسح جيني لما يتعلق بوجود خطر الإصابة بهذا المرض يرتكز على عدد و تسلسل معين من الجينات لإيجاد تشخيص و علاج مناسبين و في مثل هذه الكشوفات فلا بأس و إن عوملت كما نتائج الفحوصات الروتينية فالمسح الجيني هذا من شأنه الكشف عن مكان احتمالية حدوث السرطان مع محاولة لتحديد الأدوية المتوافرة التي يمكن أن تكون فعالة في منع حدوثه هذا ما اشار إليه الدكتور في مجمل حديثه.

لكن الأُمور لا تكون واضحة بهذا الشكل دائماً ففي مسح لوجود الطفرات BRCA1 و BRCA2 و التي تزيد احتمالية حدوث سرطان الثدي و المَبايِض لدى النِساء و إجراء مثل هذا المسح يُنصح به للنساء التي تحمل تاريخ عائلة بواحد من هذه الأمراض و لكن فالكثير منهن يرفضن الخضوع لهذا الفحص حتى لا يَتَحَملنَ عبء العيش مع احتمالية حدوث المرض في فترة من حياتهِن
و الكشف عن بعض مثل هذه المعلومات له الكَثير من الآثار فتقول الدكتورة Vicini “في بعض الحالات يجب أن نعلم بأن مثل هذا الكشف عن هذه المعلومات لها علاقة مباشِرة بحياة الكثير من الأشخاص فلذلك يَجِب أن نَكون حَذرين معها”.
و في قضية أُخرى متعلقة بهذا الموضوع فإن بعض المسوحات على تسلسلات جينية معينة نكشف عن مشاكل أٌخرى جديدة يكون احتمال حدوثها كبيرة لدى الشخص (المريض)، يقول الدكتور Strong “النقاش حاليًا يدور على قضية متى نقوم بالمسح الجيني، ما هي المعلومات التي يجب أن يعرفها المريض و ما هي الالتزامات الأخلاقية و العملية التي يجب اتباعها عند عدم رَغبة المريض في معرفة أي معلومات إضافية قد تشير إلى احتمالية حدوث مشاكل صحية أُخرى”.
مناقشة هذه القضية اشتعلت عندما قامت الكلية الأمريكية للطب الجيني ACMG بتحديد المسح الجيني ليتم على ٥٦ جين مجتمع، كما قررت في وَقتِها أن جميع المعلومات يَجِب أن يعرفَ بها المريض. إلا أن قرارها هذا لانَ فيما بعد فأقرت بأحقية المريض في اختيار المعلومات المُهتَم بِمَعرِفَتِها و مثل هذا القرار يعيد التوازن بين قدرة الأطباء على التعامل مع المعلومات المتوافرة و توصيلها للمريض و بين الاختيارات الشخصية للمريض نفسه.
بالنسبة للدكتور Clayton فإن هذا الموضوع يطرح أسئِلة أُخرى مثل ما هي التحضيرات و الاستشارات الممكن تَقديمها للأشخاص الذين يختارون أن يقوموا بالمسح الكامل للجينات.
“إن التحدي يبقى في كيفية إخبار المريض بكامل تلك المعلومات المُكتَشَفة أو ما هي الاُمور التي يجب أن ينتظروا تفسيرًا لها.
كما أن أهم سؤال يَجِب أن يُطرح هو هل يجب أن نقوم بالمسح الكامل للجينات أم لا للأشخاص الذين يطلبون ذلك، فإذا كانت الإجابة لا فيجب أن يعرف المريض ما هي المعلومات التي تهمه و إعطاءه البدائِل و الخيارات المناسبة”.


الجانب النفسي لهذه الإختبارات
إن الخبر الجيد فيما يتعلق بهذا الجانب هو أن المرضى لا يُترَكوا ليواجِهوا النتائج وحدهم، حيث يقوم الأطباء بِمُقابلتهم قبل و بعد الفحص فيقوموا قبل الفحص بمناقشة احتمالية طبيعة المعلومات التي ستُكشَف و أما بعد الفحص و عند صدور النتائج فيقوموا بمساعدة المرضى على فَهم تلك النتائج و عرض حلول و علاجات للمشاكِل المُكتَشَف وجودِها.
هذه الجلسات بالعادة و للأسف تكون مصحوبة بالكَثير من التوَتُر و خصوصاً عند اكتِشاف وجود مشاكل في التسلسل قد تهدد حياة الأشخاص.
“إن الإستشاريين و العاملين بهذا المجال يخضعون لتدريبات يتعلمون بها كيفية التعامل مع نتائج الفحوصات، القدرة على تقييم المخاطر و التَدرُب على عملية إتخاذ القرار السليم، كما يتم منح شهادات لنيل تلك المهارات” تقول المسؤولة عن مؤسسة الإستشاريين الجينيين Jennifer Hoskovec
فبالإضافة إلى ضرورة نقل المعلومة للمريض و بدون تحيز من قبل الأطباء و الإستشاريين فإنهم أيضاً يجب أن يكونوا على دراية بالتأثرات النفسية التي قد تصاحب المريض عند معرفة النتائج، و بما أن المختصين لا يستطيعون دوما التوَقُع بكل رداتَ الفعل، يقومون بخطوة توفر الوقت و الجهد و هي توفير بعض الإرشادات للمرضى الذين تكون نتائج فحوصاتهم من الممكن أن يكون لها تأثير لمدى الحياة.
في الوقت ذاته يقوم الإستشاريون بتقديم الدعم المطلوب للمرضى و مُساعدَتهم بمعرفة كيفية مناقشة مثل هذا الموضوع مع عائلاتهم و معرفة من هم أفراد العائلة الذين قد يكونوا أكثر تأثراً بهذه النتائج، كما انهم يقوموا بتسهيل عملية النقاش هذه.
و لكن فبعض المرضى قد يحتاجون إلى دعم نفسي مُستَمر من أخصائيين نفسيين إذا كانت للمشكلة عواقب نفسية طويلة المدى.
هذه بالضبط المشكلات التي تشغل بال الدكتور Strong و خصوصاً في حالة الذين يبحَثونَ عن الإختبارات الجينية المبنية على أساس تاريخ العائلة المرضي و الذينَ يبدونَ أصِحاء و لكن مع نتائج الفحوصات تظهر لَهٌم مشكلات قد تحدث لم يكنوا يتوَقَعونَها.
“أنا مُهتَم بمعرفة دوافع الأشخاص، لماذا بعض الأشخاص يصرونَ على إجراء هذه الفحوصات، و كيفَ كانت آلية قرارهم هذا و كيفية جزمهم بأن مثل هذه المعلومات ستكون مفيدة لهم، و في قضية أُخرى و للذين لا يَبحثونَ عن تشخيص لمرض معين فهل النتائج ستكون مفهومة لهم؟ و خصوصاُ عندما تكون النتائج ذات تأثير كبير على حياتهم. أنا أعتقد بأن مثل هذه القضايا ستثير نقاش حول ملاءمة و أخلاقية استخدام هذه التقنيات”.
و كما يرى الدكتور Clayton فإن ما ستصل له هذه التقنيات على المدى البعيد من تأثيرات لإنتشارها لتكون متاحة للجميع و لجميع التسلسل الجيني هو رسم طريق معادي لها. فيمتنع المرضى و الأشخاص السليمون على حدً سواء عن إجراء مثل هذه الفحوصات ليكون التركيز في تشخيص الأمراض مبني فقط على أعراض المريض الموجودة.
و من إستنتاجاته أن قال “الشيء المؤكد أنه و بدون معرفة تامة للفائدة من مثل هذه التطبيقات “المسح الكلي للجينات” فإن استراتيجية تطبيقها لن تكون فعالة لكل أفراد المجتمع في الوقت الحالي، فيجب تسليط الضوء و الإهتمام بفحص جينات معينة و محاولة فهم النتائج الكلية المترتبة على الفحص الكلي للجينات، و كما أن فهمنا العام يتغير فإن فهمنا لهذا الموضوع سيتغير على الأغلب. و لكن هذه ليست التكنولوجيا التي يجب أن نعرضها لجميع أفراد المجتمع”.

[divider]

[author ]ترجمة: روان ثوابته[/author]

المصدر