تدّعي جوجل في ورقة بحثية نشرتها مؤخرًا أن الحاسوب الكمومي أدى مجموعةً من الحسابات المعينة التي يمكنها أن تخنق أسرع حاسوب كلاسيكي خارق، ما أثار أسئلةً أكثر من التي أُجيبَ عنها، أهمها: عندما تصل الحواسيب الكمومية الكاملة، هل سنكون مستعدين؟

حققت جوجل هذا الإنجاز على خلفية واقع ما زال يصحو، مع أن أسرع حاسوب كمومي متكامل يستطيع احتواء 50 كيوبت فقط. الكيوبت أو البت الكمومي: هو القطعة الأساسية من معلومات الحاسوب الكمومي ونظيرها البت في الحاسوب الكلاسيكي، لكن ببيانات أكثر.

تعمل أجهزة الكمبيوتر الكمومية باستخدام البوابات المنطقية، لكنها -على عكس أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية- تستغل الخصائص الكامنة لميكانيكا الكم، مثل التراكب والتداخل والتشابك، لكن أجهزة الكمبيوتر الكمومية الحالية صاخبة ومعرضة للخطأ، لدرجة أن المعلومات في حالتها الكمومية تُفقد في غضون عشرات من الميكروثانية عن طريق آلية تسمى فك الارتباط، وعبر البوابات ذات العيوب والأخطاء.

مع ذلك يُحرز الباحثون تقدمًا واضحًا -وإن كان بطيئًا- نحو كيوبتات أكثر، وقابلة للاستعمال، وربما سنرى خلال 10 أو 20 سنة حواسيب كمومية متكاملة يمكنها حل العديد من المشاكل.

هل نحن مستعدون للحواسيب الكمومية - هل سنكون مستعدين عندما تصل الحواسيب الكمومية الكاملة - معلومات الحاسوب الكمومي ونظيرها البت في الحاسوب الكلاسيكي

عندما يأتي ذلك اليوم، ماذا علينا أن نفعل بها؟

كان لدينا عقود للاستعداد، ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، نشر الفيزيائي الأمريكي بول بينيوف ورقةً بحثيةً توضح أن نموذجًا ميكانيكيًا كموميًا لآلة تورينج (حاسوب) ممكنٌ من الناحية النظرية، وفي نفس الوقت تقريبًا، أصرّ ريتشارد فاينمان أن محاكاة الأنظمة الكمومية بأي مقياس مفيد على أجهزة الحواسيب الكلاسيكية ستكون مستحيلةً دائمًا؛ لأن المشكلة ستصبح كبيرةً جدًا، إذ سيزداد مقدار الذاكرة والوقت المطلوبين بشكل كبير مع حجم النظام الكمومي، أما في الحاسوب الكمومي فإن الموارد المطلوبة ستقل بمقياس أكبر جذريًا.

في الحقيقة، فاينمان هو من أطلق مجال الحوسبة الكمومية عندما اقترح أن أفضل طريقة لدراسة الأنظمة الكمومية هي محاكاة هذه الأنظمة على أجهزة الحواسيب الكمومية، وأن محاكاة فيزياء الكم هو برنامج لأجهزة الحاسوب الكمومية، ولن تساعد في بث الفيديو على هاتفك الذكي، أما إذا أمكن بناء أجهزة حواسيب كمومية كبيرة تتحمل الأخطاء، فسنتمكن من اسكتشاف العالم الغريب لميكانيكا الكم إلى أعماق غير مسبوقة، فهو يتبع قواعد مختلفة عن العالم الذي نلاحظه في حياتنا اليومية، لكنها تشكل جزءًا أساسيًا في كل شيء فيه تقريبًا.

على حاسوب كمومي كبير بما فيه الكفاية، يمكننا محاكاة نظريات المجال الكمومي لدراسة الطبيعة الأساسية للكون وفي أبحاث الكيمياء والمقياس النانوي إذ تهيمن التأثيرات الكمومية، ويمكننا التحقق من الخصائص الأساسية للمواد، وتصميم خصائص جديدة لفهم آليات معينة، مثل الموصلية الفائقة غير التقليدية، ويمكننا محاكاة وفهم التفاعلات الكيميائية الجديدة والمركبات الجديدة التي يمكن أن تساعد في اكتشاف الأدوية.

بالتعمق في نظريات الرياضيات والمعلومات طورنا بالفعل العديد من الأدوات النظرية للقيام بهذه الأشياء، ولكن الخوارزميات الموجودة متقدمة بصورة كبيرة على التكنولوجيا المطلوبة لبناء الآلات المشغلة لتلك الخوارزميات.
يبدأ كل شيء بنموذج نظري للحاسوب الكمومي، والذي يحدد كيف سيُسخّر ميكانيكا الكم لإجراء حسابات مفيدة. ويكتب الباحثون خوارزميات كمومية لأداء مهمة، أو حل مشكلة باستخدام هذا النموذج، وهي في الأساس سلسلة من البوابات الكمومية مع قياس الحالة الكمية التي توفر المعلومات الكلاسيكية المطلوبة.
لذا، وعلى سبيل المثال، تُظهر خوارزمية كروفر طريقةً لإجراء عمليات بحث أسرع، وأثبتت خوارزمية شور أن أجهزة الحاسوب الكمومية الكبيرة ستتمكن يومًا ما من كسر أنظمة أمان الكمبيوتر التي تستند إلى نظام RSA، وهي طريقة تشفير مستخدمة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، مثل حماية خدمات البريد الإلكتروني والمواقع المالية.

أظهر البحث خوارزميات فعالةً جدًا لإجراء عمليات حسابية مفيدة ودراسة النظم الفيزيائية، وأظهر أيضًا إحدى الطرق في أُولى تجارب المحاكاة الكمومية صغيرة الحجم التي أُجريت على الإطلاق لنظام إلكتروني فيه معالج لمعلومات الكم بالرنين المغناطيسي النووي، وحاكى آخرون نظريات المجال الكمومي البسيط مؤخرًا على أجهزة الحاسوب الكمومية متوسطة الحجم الصاخبة والمتاحة اليوم للتجارب المختبرية.

بينما ننتظر أن تلتحق الأجهزة المادية بالنظرية العلمية، سيستمر الباحثون في علم المعلومات الكمومية في دراسة وتنفيذ الخوارزميات الكمومية المفيدة للآلات الصاخبة التي تعاني من الأعطال، مع أن الكثير منا يأخذ نظرةً أطول ويدفع النظرية عميقًا إلى تقاطع فيزياء الكم ونظرية المعلومات والرياضيات، ويفتح آفاقًا جديدةً للاستكشاف بمجرد أن يكون لدينا أجهزة حاسوب كمومية لتنقلنا إلى ذاك المستوى.

اقرأ أيضًا:

التفوق الكمي: عندما تتخطى الحواسيب حدود قدراتها

قد تمثل هذه الشريحة حلقة الوصل بين الحواسيب التقليدية والكمية

ترجمة: محمد زيد عبد الرحمن الحسيني

تدقيق: عبد الرحمن عبد

المصدر