نحن على أعتاب ثورة صناعية تعد الرابعة بعد ثورة اختراع الآلة البخارية والثورة الكهربائية وثورة الحواسيب والإنترنت.

وهي ثورة نوعية من شأنها أن تغير شكل العالم كما نعرفه اليوم، حاملة في طياتها تطلعات مستقبلية ومخاوف من إخفاق الإنسان في التعامل معها.

تعد تقنية «واجهة الدماغ الحاسوبية «Brain-Machine Interface-أحد أشكال هذه الثورة التي تشهد إقبالًا واسعًا من أكبر وأضخم الشركات والمعاهد العالمية، من أبرزها شركة فيس بوك التي تعمل على مشروع المبنى 8، وشركة نيورالينك التي سُجلت كشركة طبية تهدف –مبدئيًا- لاستخدام هذه التقنية لغايات طبية.

إن الأبحاث قائمة أيضًا -على قدم وساق- في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لابتكار أسلاك رقيقة جدًا لغايات الزراعة في الدماغ، بالإضافة إلى تطوير أجهزة نصف آلية لمساعدة المشلولين على المشي مجددًا، فضلًا عن أجهزة أخرى لمساعدة العميان على استعادة نظرهم.

تعمل هذه الصروح الضخمة -جنبًا إلى جنب- لتبادل الخبرات والاستفادة من الهفوات والعمل بالتالي على دفع عجلة التقدم لهذه التقنية.

يدل الإقبال الكبير على تقنية دمج الدماغ بالحاسوب، على أننا -بلا شك- على أعتاب مرحلة جديدة من التاريخ البشري.

سنتناول في هذا المقال شرحًا مفصلًا لمشروعي شركة فيس بوك ونيورالينك.

فيس بوك

تعمل الشبكة الاجتماعية فيسبوك على تقنية دمج الدماغ مع الحاسوب التي ستتيح لنا في يوم ما التواصل باستخدام أفكارنا فقط، وذلك بتطوير تقنية الطباعة بالدماغ وتقنية السمع عن طريق الجلد، وفقًا للمدير التنفيذي مارك زوكربيرج.

هذا المشروع جزء من مختبر فيسبوك للأجهزة الاستهلاكية المعروف باسم «المبنى 8»، إذ صرحت رئيسة هذا المبنى ريجينا دوغان، بأن فريقها مكون من 60 عالمًا يعملون على نظام قادر على طباعة 100 كلمة في الدقيقة باستخدام موجات الدماغ فقط.

بالإضافة إلى مشروع مستقبلي آخر يهدف إلى نقل اللغة المسموعة من خلال جلد الإنسان.

وفقًا لدوغان التي انضمت لشركة فيس بوك العام الماضي، بعد انتقالها من قسم المشاريع المتقدمة في شركة جوجل: «الهدف النهائي هو أن تكون قادرًا على التفكير في اللغة الصينية والشعور في اللغة الإسبانية».

وصفت دوغان المشروعين بالتفاعل الكلامي الصامت، الذي يتيح إمكانية التحدث بصوتك مع الحفاظ على خصوصية إرسال الرسائل النصية.

على الرغم من أن هذه المشاريع ما زالت في بداياتها، إلا أن الشركة على ثقة من نجاحها وتحويلها إلى تقنية قابلة للارتداء يمكن تصنيعها على نطاق واسع.

طباعة الرسائل النصية باستخدام الأفكار

كثر اللغط مؤخرًا حول تقنية دمج الدماغ مع الحاسوب. لكن شركة فيس بوك تؤكد اتباعها اليوم نهجًا علميًا بحتًا وغير شائع ومختلفًا بالفعل، لابتكار تفاعل دماغي مرتبط بالحاسوب لتحويل الكلام الصامت (الأفكار) إلى نص مكتوب.

هذا التفاعل الكلامي الصامت ذو سرعة ومرونة في الصوت، ويؤمن الخصوصية الكاملة للنص.

تهدف الشركة إلى إنشاء نظام ذي قدرة على طباعة 100 كلمة في الدقيقة الواحدة، يتحول مضمونها مباشرة من مركز الكلام في الدماغ.

هذه التقنية ذو سرعة تفوق سرعتك على الطباعة الاعتيادية بخمس أضعاف، ولا تعتمد على فك شيفرة الأفكار العشوائية، بل على فك شيفرة الكلمات التي ترسلها إلى مركز الكلام في الدماغ عندما تقرر مشاركتها بالفعل.

الأمر كاختيار مشاركة بضع صور من مجموعة كبيرة منها، ينطبق الأمر ذاته على الأفكار.

ستطبق الشركة هذه التقنية باستخدام أجهزة استشعار جديدة وغير شائعة يمكن تسويقها على نطاق واسع، وقادرة في الوقت ذاته على قياس نشاط الدماغ بدقة متناهية للغاية ولمئات المرات في الثانية الواحدة.

لا تتوفر اليوم طريقة تتيح ذلك باستثناء تقنية التصوير الضوئي القادرة على تأمين الدقة الزمانية والمكانية اللازمة.

ويعود الفضل إلى التحسينات المستمرة التي يحدثها مجال الاتصالات في الأداء والتكلفة والحجم.

تعد هذه موجة هائلة تجب مواكبتها.

الاستماع عن طريق الجلد

يوجَّه المشروع الثاني لإتاحة إمكانية الاستماع عن طريق الجلد، إذ يعمل الفريق الآن على بناء المعدات والبرمجيات اللازمة لتوصيل اللغة من خلال الجلد.

يحتوي الجلد على شبكة من الأعصاب التي تنقل المعلومات إلى الدماغ، فقد أثبت المخترع الفرنسي بيرلي -من القرن التاسع- أن النقرات الصغيرة على سطح الجلد يمكن أن تُترجم في الدماغ إلى كلمات.

طُوّرت طريقة تادوما في بدايات القرن العشرين، وهي طريقة مستوحاة من تجربة هيلين كيلر.

تتيح هذه الطريقة إمكانية التعلم والتواصل عن طريق تغيّر وتيرة الضغطات التي يُحدثها الهواء، والاهتزازات التي يشعر بها الأطفال الصم والعمي على أيديهم الموضوعة على حنجرة الشخص المتحدث وفكه.

العامل المشترك بين جميع التقنيات المستخدمة في هذا المجال منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم هو قدرة الدماغ على إعادة بناء لغة من مجموعة معطيات؛ إذ تأخذ قوقعة الأذن الأصوات لتفصلها إلى ترددات متتابعة تنقل إلى الدماغ، يمكننا تطبيق ذات العملية لكن بتحويل نتيجة المعلومات المترددة عن طريق الجلد.

تعد القدرة على تعلم لغات ومصطلحات جديدة الحد الأدنى لما يمكن أن تفيدنا به تقنية الاستماع بجلدك.

كان العمل على تقنية دمج الدماغ مع الحاسوب -قبل نحو ستة شهور من الآن- مجرد فكرة، أما اليوم فيضم فريق العمل أكثر من 60 عالمًا ومهندسًا وخبيرًا، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ومركز جونز هوبكنز الطبي، وجامعة جونز هوبكنز للفيزياء التطبيقية، جامعة واشنطن الطبية في سانت لويس.

منهم متخصصون في أساليب تعلم الآلات لفك شيفرة الكلام واللغة.

وآخرون في أنظمة التصوير العصبي البصري، وخبراء في مجال الأطراف الاصطناعية العصبية الأكثر تقدمًا في العالم.

شركة نيورالينك

بعد مرور يوم واحد على إعلان شركة فيس بوك عن مشروعها القادم، أعلن «إيلون ماسك» المدير التنفيذي لشركتي «تسلا» المتخصصة في المركبات الكهربائية، و«سبيس إكس» للتكنولوجيا الفضائية، تأسيس شركته الجديدة المعنية بتطوير تقنية لربط الدماغ بالحاسوب.

تهدف شركة نيورالينك إلى إلغاء الوساطة؛ أي أن تستبدل الطاقة الحالية التي تكمن في أطراف أصابعنا، بطاقة الدماغ مباشرة.

فبدلًا من استخدام جهاز الهاتف لنقل فكرة التساؤل عن إمكانية تناول العشاء مع شخص في تمام الساعة الثامنة، ستذهب الأفكار مباشرة من أحد الدماغين إلى الآخر.

ستكون هذه التقنية تحت سيطرتنا تمامًا، فلن يتمكن أحد من قراءة أفكارك إذا لم تكن لديك الرغبة لمشاركتها أولًا، والا لن يحصل هذا أبدًا.

كما هو الحال عندما يعجز الفم عن الكلام إذا لم تكن لديك الرغبة بذلك.

طبقة جديدة في دماغك

نحن نمتلك طبقتين رئيسيتين في الدماغ، الجهاز النطاقي أو الحافي المسؤول عن وظائف محددة كالسيطرة على العواطف والذاكرة طويلة الأمد والسلوك.

والطبقة الثانية هي القشرة والتي تتعامل مع الأفكار المعقدة، والمنطق والتخطيط بعيد المدى.

يطمح ماسك إلى أن يصبح الدماغ المدمج -الذي يعمل عليه في مشروعه الجديد- الطبقة الثالثة التي ستكمل الاثنتين الأخرتين.

يعتقد ماسك أننا نمتلك بالفعل هذه الطبقة الثالثة إلا اننا لا نملك أفضل الطرق للتفاعل معها.

إن علاقتنا بالحواسيب والهواتف الذكية والتطبيقات الخاصة بها بمثابة طبقة رقمية ثالثة.

فيراودنا في حال فقدان أجهزتنا أو الخروج دونها من المنزل أعراضًا مشابهة لما يدعى بوهم الأطراف وهي الأحساسيس التي تراود أولئك الذين تعرضوا لبتر أطرافهم بأنها ما زالت ملتصقة بجسدهم.

يُعتقد أن الكثير من الأشخاص مندمجون بالفعل بهواتفهم وحواسيبهم النقالة وتطبيقاتهم وكل شيء.

التقى ماسك اكثر من 1000 شخص قبل أن يختار الأشخاص الثمانية الذين سيشاركونه صقل مستقبل البشرية في شركة نيورالينك.

معتبرًا مهمة بحثه عن أشخاص قادرين على العمل في أكثر من مجال اختصاصي ابتداءً بجراحة الدماغ وانتهاء بالإلكترونات المجهرية تحديًا بحد ذاتها.

يحتوي هذا الطاقم على مجموعة مميزة من الأشخاص الأذكياء ذوي خلفيات علمية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ديوك آي بي إم -المتخصصة في تصنيع وتطوير الحواسيب والبرمجيات- منهم مهندسون وجراحو أعصاب ومصممو رقاقات، ليساهموا جميعًا في نقل تصور إيلون إلى أرض الواقع.

ستركز الشركة على إصدار منتجها الأول في غضون أربع سنوات بهدف مساعدة ذوي الإصابات الخطيرة في الدماغ (كالسكتات الدماغية وأضرار السرطان والتشوهات الخلقية).

وهي على بعد 8-10 سنوات من تطبيق هذه التقنية على الأشخاص المعافين تمامًا، وهذا يعتمد بشكل كبير على توقيت موافقة الجهات الرقابية، وعلى مستوى الكفاءة التي ستعمل بها الأجهزة عند تطبيقها على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

على الرغم من أن ايلون ماسك يجعل ابتكاراته تبدو سهلة، لكن في ما يخص خطته لإنشاء شركته الأخيرة، حتى خطة الذهاب إلى المريخ تبدو أبسط نسبيًا؛ إذ تواجه الشركة عقبات وتحديات هندسية للتغلب عليها،كمشاكل التوافقية الحيوية اللاسلكية -التي تعني توافق المواد مع الأنسجة والنظام الحي في ظروف محددة دون التسبب بحدوث الرفض الجماعي- بالإضافة إلى مشاكل الطاقة، ناهيك عن المشكلة الأكبر وهي عرض النطاق الترددي، فحتى اليوم لم تتجاوز الكهراباء المدخلة إلى دماغ أي شخص 200 إلكترود.

عقبة موافقة الجهات الرقابية تعد عاملًا مهمًا أيضًا في تطور تقنية نيورالينك، فضلًا عن الشكوك المحتملة والخوف من إجراء عملية للدماغ لتثبيت آلات ذات تقنية عالية؛ إذ يتخوف الناس من عمليات دمج الدماغ بالحاسوب أكثر من خوفهم من عمليات التحرير الجيني، وفقًا لدراسة استقصائية حول الموضوع.

بالإضافة إلى الخوف من اختراق هذه الحواسيب وهو خوف لا أساس له.

يتبع ماسك ذات النهج في تمويل مشاريعه؛ إذ مول أبحاث مشروع سبيس إكس من إعادة استخدام الصواريخ بعد تجربتها في عمليات التوصيل إلى محطة الفضاء الدولية.

واستخدم الأرباح التي جناها من مبيعات سياراته الأخيرة في تمويل أبحاث البطاريات.

ينطبق الأمر ذاته على التقنية الجديدة التي تستهدف علاج الأمراض والإعاقات لتدعم الشركة بينما تعمل على التقنيات الأخرى الأكثر إبهارًا وتشويقًا.

هذه التقنية لدمج الدماغ مع الحاسوب ليست جديدة –كما كانت تقنية السيارات الكهربائية قبل الثورة التي أحدثتها تيسلا مؤخرًا- إلا أنها تحتاج إلى بصيرة ثاقبة كاللتي يتمتع بها ماسك، ليرقى بها وبالبشرية إلى مستوى أعلى.


ترجمة: آلاء أبو شحوت
تدقيق: عبدالله الصباغ
تحرير: محمد سمور
مصدر(1) , مصدر(2)