“نقص الفوضى واقع موجود”. اكتشف العلماء في دراسة جديدة أنه يمكن أن تفشل الحسابات المعقدة التي تجريها الحواسيب بنسبة 15% بسبب عجزها عن تبيّن التعقيد الرياضي الحقيقي للأنظمة الديناميكية الفوضوية.

قال عالم الحوسبة Peter Coveney من UCL في المملكة المتحدة: «يظهر عملنا أن سلوك الأنظمة الديناميكية الفوضوي أعقد من أن يقوم أي حاسوب رقمي بالتقاطه، إذ أن الفوضى أكثر انتشارًا مما نعتقد، وحتى بالنسبة للأنظمة الفوضوية البسيطة يمكن أن تؤدي الأرقام المستخدمة من قبل الحواسيب الرقمية إلى أخطاء قد لا تبدو واضحةً للعيان إلا أنها تمتلك تأثيرًا كبيرًا».

عمل العلماء على مدى قرون من الزمن على فهم مدى قدرة الآثار الصغيرة جدًا على التراكم مسببةً آثارًا أكبر، إذ شاعت تسمية هذه الظاهرة في نظرية الفوضى باسم أثر الفراشة – butterfly effect والتي هي مجازًا: الاعتقاد الافتراضي بأنه يمكن أن تسبب الرفرفات اللامتناهية لأجنحة الفراشة في مكان ما حدوث إعصار في مكان آخر، على الرغم من أن هذا المفهوم قد يبدو شاعريًا وغريبًا بعض الشيء، إلا أنه في الواقع يستند إلى مصطلحات وشروط قابلة للقياس بشكل كبير، وذلك مُثبت تبعًا للنمذجة الرياضة.

يُعزى أثر الفراشة في المقام الأول إلى الأمريكي الرياضي وعالم الأرصاد الجوية إدوارد نورتن لورنز Edward Norton Lorenz في ستينيّات القرن الماضي، الذي شق لنفسه طريقًا مختصرة في صناعة التاريخ حينما أعاد تجربة محاكاة الطقس باستخدام أرقام مبسطةً قليلًا عن التجربة السابقة (إدخال 0.506 عوضًا عن 0.506127).

يحذر العلماء من ارتكاب الحواسيب أخطاءً جسيمة لعجزها عن فهم الفوضى - ما هي مخاطر تطور الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ - لماذا لا تفهم الحواسيب علينا

قال لورنز لاحقًا يروي لنا ماحدث: «نزلت إلى القاعة لأحتسي فنجانًا من القهوة وعدتُ بعد حوالي ساعة، وخلال تلك الفترة كان الحاسوب قد أجرى محاكاة للطقس لمدة تقارب شهرين، الأرقام التي كانت تُطبع لا تشبه الأرقام القديمة على الإطلاق»، أظهرت نتائج تقريب لورنز المشؤوم كيف يمكن أن يولد تغير لحظي صغير في الشروط الأولية للتجربة تغيرات كبيرة مع الزمن وذلك في الأنظمة الفوضوية المعقدة حيث تؤثر الكثير من المتحولات وتتأثر ببعضها البعض؛ وتُعتبر تجربة التنبؤ بالطقس خير مثال على ذلك، إذ تبدو ظاهرة تراكم الخطأ نفسها جليةً في كل العمليات خلال التجربة انطلاقًا من نمذجة المسارات المدارية وصولًا إلى الاضطرابات الجوية والديناميكيات الجزيئية.

الفكرة هنا أنه على الرغم من مرور عقود طويلة من الزمن على ظهور مفهوم أثر الفراشة، إلا أنه ما يزال يُعتبر مشكلة أساسية تعترض الحواسيب عند إجرائها العمليات الحسابية، وقد أوضح Coveney وفريقه في ورقتهم البحثية الجديدة: «الحساسية العالية للظروف الأولية هي سمة مميزة للأنظمة الديناميكية الفوضوية. منذ الاستخدام الأول للحواسيب الرقمية في علوم الحوسبة أمسى من المعروف أنه يمكن أن يغير فقدان الدقة الناتج عن التقريب المتقطع-discrete approximation للأعداد الحقيقية بشكل مأساوي من ديناميكية الأنظمة الفوضوية وذلك بعد فترة صغيرة من عملية المحاكاة».

لكن لا يظهر فقدان الدقة هذا بشكل واضح في العمليات الحسابية البسيطة، فمثلًا تطبيق الآلة الحاسبة الذي على جهازك يُعتبر كافيًا تمامًا لتنفيذ كل ما تحتاجه في حياتك اليومية، في حين تظهر الأخطاء البدائية بالغة الصغر في الحسابات الكبيرة الحاوية على العديد من المتغيرات والشروط الأولية، كما أنها قد تؤدي إلى أخطاء حسابية هائلة في نهاية عملية محاكاة ما.

يقول الباحثون أن جوهر المشكلة يكمن في ما يسمى الفاصلة العائمة الحسابية، الطريقة الموحدة التي تفهم بها الحواسيب الأعداد الحقيقية هي استخدام نظام العد الثنائي (binary code)، الذي يوظف التقريبات والتحويلات لتمثيل الأعداد، إلا أنه يمكن أن تسبب هذه التقريبات في أنظمة كبيرة ومعقدة أخطاءً جسيمةً، إذ يمكن أن تتفاقم المشكلة تبعًا للطريقة التي تتوزع فيها أعداد الفاصلة العائمة بين الأعداد الحقيقية، وذلك حتى في الأنظمة الأحدث والأكثر تعقيدًا ذات تشكيل الـ 64 بت التي تُدعى بالفاصلة العائمة ذات الدقة المضاعفة (درجة تمثيل العدد المضاعفة).

يقول عالم الرياضيات Bruce Boghosian من جامعة Tufts: «لقد اعتُقد منذ زمن طويل أن أخطاء التقريب ليست مشكلة، خاصة إذا استخدمنا أعداد الفاصلة العائمة ذات الدقة المضاعفة (أي الأعداد الثنائية التي تستخدم نظام الـ64 بت بدلًا من الـ 32 بت)»، «لكن في دراستنا ركزنا على المشكلة الناتجة عن التوزيع غير المنتظم للكسور العشرية (يقصد المنازل العشرية) الممثلة باستخدام الفاصلة العائمة، والتي من غير المرجح أن تختفي بمجرد زيادة عدد البتات».

قارن الفريق خلال البحث نظامًا فوضويًا بسيطًا معروفًا يدعى خريطة برنولي-Bernoulli Map بحساب رقمي لنفس النظام، وقد كشفت نتائج بحثهم عن ما يُدعى “اختلالات الأنظمة- systematic distortions” و “السلوكيات المرضيّة الجديدة- newfound pathology” في محاكاة الأنظمة الديناميكية الفوضوية.

في الواقع بينما كان لورنز يعمل على اكتشافه المدعو أثر الفراشة معتمدًا على عدم إدخال كامل العدد في العملية الحسابية -إهمال بعض المنازل العشرية من العدد- أوجد الباحثون اكتشافهم الخاص المكافئ لاكتشافه بدهاء عبر استخدام الحاسوب في إجراء العملية الحسابية الرياضية على كامل العدد.

قال Coveney لمدونة Science Museum: «لقد كان الأمر بالنسبة لـ Lorenz، عبارة عن تغيّر بسيط جدًا في المنازل العشرية الأخيرة للأرقام التي استُخدمت لبدء عملية المحاكاة، والذي سبب بدوره نتائجه المتباينة»، «الأمر الذي لم يدركه هو وغيره والذي سلطنا عليه الضوء في عملنا الجديد هو أن أي شرط أولي محدود (نسبي) كهذا يصف سلوكًا من الممكن أن يكون من الناحية الإحصائية غير قابل للتمثيل (العددي) إلى حد كبير».

على الرغم من اعتراف الباحثين بأن خريطة برنولي هي نظام فوضوي بسيط لا يمثل بالضرورة أنظمة ديناميكية أكثر تعقيدًا، إلا أنهم حذروا من أثر الفاصلة العائمة الخبيث الذي يوجب على العلماء توخي الحذر عند تعاملهم مع الحواسيب.

قال المؤلف: «نرى أنه على العاملين في هذا البحث أن يأخذوا في حسبانهم دائمًا احتمالية أن تكون نماذجهم التي يعملون عليها أكثر تعقيدًا من هذا النموذج »، «كما نشير إلى أنه إذا أبدى نظام بسيط ما سلوكيات رديئة كالنظام المذكور سابقًا، فمن المرجح أن تبدي الأنظمة الأكثر تعقيدًا سلوكيات أسوأ».

لن تجد كل يوم نمذجة حوسبية رديئة أساسًا، ومع ذلك يقول الفريق: «إلى أن نكتشف بشكل ما طريقة لإصلاح هذا، على الباحثين في كل مكان أن يراقبوا عن كثب وبحذر الأرقام التي تظهرها حواسيبهم».

نُشرت النتائج في موقع Advanced Theory and Simulations.

اقرأ أيضًا:

إثبات مبدأ برنولي: يمكنك تجربته في منزلك

ماهي حدود سرعة الحواسيب الكمومية؟

ترجمة: م. دلال الشماع

تدقيق: حسام التهامي

المصدر