الإنفلونزا الإسبانية 1918: أخطر جائحة في التاريخ

8 أبريل 2026
18 مشاهدة
0 اعجاب

الإنفلونزا الإسبانية 1918: أخطر جائحة في التاريخ

 

 

سُميت الإنفلونزا الإسبانية بهذا الاسم لأن الصحافة الإسبانية كانت الوحيدة التي نشرت أخبار تفشيها على الفور، بينما قررت الدول المتحاربة الأخرى السكوت عنها. انتشرت الجائحة في آذار 1918 في معسكر فينستون المخصص للجيش في كانساس في الولايات المتحدة، وأصابت خاصةً الشبان الأصحاء أكثر من أي فئة عمرية أخرى.

 

حدثت الجائحة على ثلاث موجات رئيسية:


●     الأولى: من مارس إلى سبتمبر 1918.


●     الثانية: من سبتمبر إلى ديسمبر 1918.


●     الثالثة: من ربيع إلى صيف 1919.

 

أدت هذه الجائحة إلى إصابة نحو 500 مليون شخص حول العالم، وتسببت في وفاة ما بين 50 و100 مليون شخص. ساهمت ظروف الحرب العالمية الأولى، مثل سوء النظافة، وازدحام المستشفيات، والعادات الغذائية السيئة، وعدم الوعي بعلاج الأمراض الفيروسية، في تفاقم انتشار المرض.

 

 

أصل الجائحة وانتشارها

 

بدأت جائحة الإنفلونزا الإسبانية في مقاطعة هاسكل بولاية كانساس، وهي منطقة اشتهرت بوجود قطعان الماشية والخنازير فيها. وكانت أيضًا ممرًا لسبعة عشر سربًا من الطيور المهاجرة. ويُرجح أن الطيور المهاجرة نقلت العدوى إلى الخنازير، ومنها لاحقًا إلى البشر.

 

في عام 1918 أبلغ الدكتور لورينغ مينر دائرة الصحة العامة الأمريكية عن أولى الحالات المصابة بالفيروس. بعد ذلك نقل المصابون الذين التحقوا بالخدمة العسكرية في معسكر فينستون العدوى إلى الجنود في شهري مارس وأبريل عام 1918.

 

في المرحلة الأولى من تفشي الجائحة في أثناء فصل الربيع، سُجلت العديد من الحالات، لكن الوفيات كانت قليلة نسبيًا. وفي أبريل انتقل بعض الجنود من المعسكر إلى فرنسا، بينما أُرسل آخرون إلى منشآت عسكرية أمريكية أخرى. وفي فترة تنقل الجنود كانت القواعد العسكرية والقطارات والسفن وخطوط المواجهة مزدحمة وغير نظيفة، ما أدى إلى خلق بيئة مثالية لانتشار المرض وساهم في انتقاله عبر الهواء.

 

بلغت نسبة الوفيات بين جنود الجبهة الغربية نحو 2% في ذروة الجائحة في شهري أكتوبر ونوفمبر عام 1918، بينما أشارت تقارير من الهند إلى أن النسبة وصلت إلى 10%. وفي المرحلة الأخيرة من الجائحة عام 1919 ساءت الأوضاع كثيرًا بسبب عودة الجنود من الحرب عبر الموانئ والقواعد العسكرية على طول السواحل، ما جعل الإصابات بالمرض مألوفة في المدن الساحلية حول العالم.

 

 

نوع الفيروس

 

كان الفيروس الذي اجتاح العالم في عامي 1918 و1919 من النمط H1N1، وهو أحد فيروسات الإنفلونزا A. ويُعتقد أنه نشأ في الطيور المائية البرية، ثم انتقل إلى الخنازير، قبل أن يتطور وينتقل إلى البشر عبر الهواء من شخص إلى آخر.

يصيب الفيروس الجهاز التنفسي ويتكاثر بسرعة في الجهاز التنفسي العلوي، ما يؤدي إلى استجابة مناعية شديدة لدى الشباب الأصحاء. وقد تسبب ذلك في حدوث التهاب حاد وتراكم السوائل في الرئتين. ومع ضعف الجسم غالبًا ما أدت الإنفلونزا إلى عدوى ثانوية، وخاصةً التهاب الرئة.

 

عند الإصابة بفيروس الإنفلونزا تظهر الأعراض في غضون يومين إلى ثلاثة أيام، وتشمل الحمى والقشعريرة والإرهاق وآلام العضلات والصداع والسعال والتهاب الحلق والغثيان والقيء. ومن الأعراض الفريدة التي رُصدت في جائحة عام 1918 ظهور لون أزرق باهت على الجلد يتحول إلى اللون الأرجواني عند اقتراب الوفاة، وهي حالة تُعرف باسم الزرقة الهليوتروبية.

 

تسبب هذه الحالة امتلاء الرئتين بالسوائل، ما يسبب اختناق المريض. وغالبًا ما تحدث الوفاة في غضون ثلاثة إلى خمسة أيام من بداية ظهور الأعراض. وكان معدل الوفيات أعلى بين الفقراء والجنود والعاملين في المجال الصحي، إضافةً إلى الأشخاص الذين يعملون في مهن تتسم بظروف عمل مزدحمة.

 

 

العوامل المساعدة على انتشار المرض

 

وفرت المباني وأماكن العمل المزدحمة، إضافة إلى تزايد عدد السكان في المناطق الحضرية الكبيرة، بيئةً مناسبة لانتشار الفيروس. وغالبًا ما كان الازدحام السكاني مصحوبًا بمشكلات أخرى، مثل سوء الصرف الصحي وتدني جودة المياه ونقص الإمدادات الغذائية وقلة النظافة الشخصية. وعانت مناطق الحرب أيضًا من وجود أعداد كبيرة من الجنود وأفراد الدعم في مختلف المنشآت العسكرية.

 

ساهمت ظروف المعيشة المتقاربة في المعسكرات وظروف حرب الخنادق على الجبهة الغربية في أثناء الحرب العالمية الأولى، إضافةً إلى سفن نقل الجنود، في انتشار أوسع للمرض. وساهمت أيضًا عوامل أخرى في انتشار الجائحة، منها سوء الصرف الصحي ونقص التغذية السليمة ومعاناة الجنود من جروح الحرب المختلفة، إضافةً إلى ضعف المناعة لدى الجنود الذين لم يتعرضوا لهذا الفيروس من قبل.

 

لذلك لم يكن من المستغرب أن تكون الفئة العمرية الأكثر تضررًا في أثناء الجائحة، خاصة في خريف عام 1918، هي الفئة التي تتراوح أعمارها بين 20 و40 عامًا، ولا سيما الجنود والبحارة.

 

 

 

العلاجات والإجراءات الطبية

 

لم يكن العلم الطبي قادرًا على التمييز بين البكتيريا والفيروسات حتى ثلاثينيات القرن العشرين، ولم تُحدَّد الخريطة الجينية لفيروس الإنفلونزا لعام 1918 إلا عام 2005.


أظهرت بعض العلاجات باستخدام الكينين، خاصةً في إيطاليا حيث استُخدم في أجنحة مستشفيات الملاريا، قدرًا محدودًا من الفعالية. ومع ذلك عارض بعض الأطباء هذا العلاج بسبب نقص الأدلة العلمية الداعمة له. وأُصيب أيضًا بعض مرضى الملاريا بالإنفلونزا مع تلقيهم العلاج.

 

استُخدم الأسبرين في كثير من الحالات، لكن الجرعات التي أُعطيت للمرضى كانت مرتفعة جدًا، ما أدى إلى تراكم السوائل في الرئتين وساهم في زيادة معدلات الوفاة.


كان التطعيم الجماعي أحد الأساليب العلاجية الأخرى التي جُربت آنذاك. ففي إنجلترا والولايات المتحدة استخدم الأطباء أنواعًا مختلفة من اللقاحات، وأحيانًا مزجوا بينها. ومع ذلك كانت نتائج حملات التطعيم متفاوتة.

 

في عام 1918 كانت اللقاحات المتوفرة مخصصة أساسًا للعدوى البكتيرية، وقد أدى استخدامها في بعض الحالات إلى تفاقم حالة مرضى الإنفلونزا. ومع ذلك أظهرت بعض الدراسات أن المرضى الذين تلقوا لقاحات بكتيرية ضد الالتهاب الرئوي نجوا من الوفاة بنسبة أعلى.

 

لم تكن المضادات الحيوية متوفرة في عام 1918 لعلاج العدوى البكتيرية الثانوية. ولم يُطرح أول مضاد حيوي فعّال إلا بعد اكتشاف البنسلين عام 1928.

 



المصادر:


الكاتب

لين مهنا

لين مهنا
تدقيق

مؤمن محمد حلمي

مؤمن محمد حلمي
مراجعة

باسل حميدي

باسل حميدي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة