اكتشاف الثقوب السوداء الهاربة يغيّر فهمنا للكون
انشغل علماء الفلك في العام الماضي بمرور كويكب هارب عبر نظامنا الشمسي قادمًا من أعماق بعيدة في الفضاء. تحرّك بسرعة تقارب 68 كيلومترًا في الثانية، أي أكثر بقليل من ضعف سرعة الأرض حول الشمس.
لكن تخيّل لو أنّ الجسم المار لم يكن كويكبًا، بل شيئًا أعظم حجمًا وأشدّ سرعة، كثقبٍ أسود يسير بسرعة قد تصل إلى 3000 كيلومتر في الثانية. في مثل هذا السيناريو، لن نلحظ قدومه إلا عندما تبدأ قواه الجاذبية الهائلة بالتأثير في مدارات الكواكب الخارجية وإحداث اضطرابات واضحة فيها.
قد يبدو هذا التصوّر مبالغًا فيه، لكن الأشهر الأخيرة شهدت تراكم الأدلة على أنّ مثل هذا الزائر الكوني ليس مستحيلًا. فقد رصد علماء الفلك ثقوبًا سوداء فائقة الكتلة «هاربة» تمزّق طريقها عبر مجرّات أخرى، كما ظهرت شواهد غير مباشرة تشير إلى وجود ثقوب سوداء أصغر حجمًا يصعب كشفها لكنها قد تكون منتشرة في الفضاء.
الأسس النظرية والرصدية للثقوب السوداء الهاربة
تعود بداية القصة إلى ستينيات القرن العشرين، عندما توصّل عالم الرياضيات النيوزيلندي روي كير إلى حلٍّ لمعادلات النسبية العامة لألبرت أينشتاين يصف الثقوب السوداء الدوّارة. وقد قاد هذا الحل إلى اكتشافين جوهريين:
أولًا، مبرهنة انعدام الشعر: تنصّ على أنّ الثقب الأسود يمكن تمييزه بثلاث خصائص فقط: الكتلة، الدوران، والشحنة الكهربائية، دون أي سمات إضافية.
ثانيًا، الطاقة الدورانية للثقب الأسود: وفقًا لحلّ كير، قد يصل ما نسبته 29% من كتلة الثقب الأسود إلى شكل طاقة دورانية. وقد استنتج الفيزيائي البريطاني روجر بنروز قبل نحو 50 عامًا أنّ هذه الطاقة الدورانية يمكن تحريرها، إذ يشبه الثقب الأسود الدوّار بطارية كونية قادرة على إطلاق كميات هائلة من الطاقة.
يُقدّر أنّ الثقب الأسود يمكن أن يحتوي على طاقة قابلة للاستخراج تفوق بنحو 100 مرة طاقة نجم له الكتلة نفسها. وعندما يندمج ثقبان أسودان في واحد، يمكن أن تتحرّر نسبة كبيرة من هذه الطاقة في غضون ثوانٍ معدودة. وقد استغرق فهم ما يحدث عند تصادم ثقبين أسودين دوّارين عقودًا من الحسابات الحاسوبية المعقّدة، حيث تبيّن أنّ هذا الاندماج يولّد موجات جاذبية قوية.
ظلّ هذا الطرح نظريًا حتى بدأت مراصد الموجات الجاذبية، مثل مرصدي LIGO وVirgo، في عام 2015 برصد الإشارات المميّزة الناتجة عن اندماج الثقوب السوداء. ومن أبرز الاكتشافات ما يُعرف بـ «الرنين اللاحق للثقب الأسود الجديد»، وهو اهتزاز يشبه رنين الشوكة الرنّانة يكشف عن سرعة دوران الثقب؛ فكلما زادت سرعة الدوران، طال زمن الرنين.
ومع تحسّن دقة الرصد، تبيّن أنّ بعض أزواج الثقوب السوداء تمتلك محاور دوران عشوائية وأن كثيرًا منها يحتوي على طاقة دورانية كبيرة، ما عزّز فرضية إمكانية وجود ثقوب سوداء هاربة فعليًا. وعند سرعات تصل إلى 1% من سرعة الضوء، لن تتبع هذه الأجسام المدارات المنحنية المعتادة للنجوم داخل المجرات، بل ستسير في خطوط شبه مستقيمة عبر الفضاء.
الاكتشافات الرصدية للثقوب السوداء الهاربة
البحث عن ثقوب سوداء هاربة صغيرة يُعدّ مهمة صعبة، لكن الثقوب السوداء فائقة الكتلة، والتي قد تعادل ملايين أو مليارات أضعاف كتلة الشمس، تُحدث اضطرابات هائلة في النجوم والغاز المحيط بها في أثناء حركتها عبر المجرّة. ومن المتوقّع أن تخلّف خلفها ذيولًا نجمية تتشكّل من غاز ما بين النجوم، بطريقة تشبه خطوط التكاثف خلف الطائرات النفاثة. وتستمر عملية تشكّل هذه النجوم عشرات ملايين السنين في أثناء عبور الثقب الأسود للمجرّة.
في عام 2025، عرضت عدة دراسات صورًا لخطوط نجمية مستقيمة داخل بعض المجرّات، واعتُبرت دليلًا مقنعًا على وجود ثقوب سوداء هاربة. إحدى هذه الدراسات بقيادة عالم الفلك بيتر فان دوكوم، وصفت مجرّة بعيدة التُقطت صورتها بواسطة تلسكوب James Webb، حيث ظهر خلفها أثر لامع بطول يقارب 200 ألف سنة ضوئية. وأظهرت القياسات تأثيرات الضغط الناتجة عن انضغاط الغاز بفعل الجاذبية، ما يشير إلى ثقب أسود تبلغ كتلته نحو 10 ملايين ضعف كتلة الشمس ويتحرّك بسرعة تقارب 1000 كيلومتر في الثانية.
دراسة أخرى تناولت أثراً مستقيمًا طويلًا يعبر مجرّة NGC3627، ويُرجّح أنّه ناجم عن ثقب أسود تبلغ كتلته نحو مليوني ضعف كتلة الشمس ويتحرك بسرعة 300 كيلومتر في الثانية، بينما يمتد أثره نحو 25 ألف سنة ضوئية.
إذا وُجدت هذه الثقوب فائقة الكتلة الهاربة، فمن المنطقي أن توجد نظيرات أصغر حجمًا أيضًا، إذ تشير أرصاد الموجات الجاذبية إلى أنّ بعض الاندماجات تولّد «ركلات» قوية كافية لدفع الثقوب السوداء بسرعات تمكنها حتى من الانتقال بين المجرات.
وبذلك، تمثّل الثقوب السوداء الهاربة عنصرًا جديدًا يثري فهمنا للكون ويضيف بعدًا أكثر إثارة إلى قصته، ورغم أنّ احتمال مرور ثقب أسود هارب عبر نظامنا الشمسي قائم نظريًا، فإن فرص حدوثه ضئيلة للغاية ولا تستدعي القلق. إنها ببساطة حقيقة علمية جديدة تُظهر أنّ الكون لا يزال أكثر اتساعًا وغموضًا وإثارة مما كنا نتصور.