فرضية مثيرة للجدل حول عمر الهرم الأكبر في الجيزة
هرم الجيزة العظيم قد يكون أقدم بكثير مما نظن. مع أن هذه الفكرة قد تثير فضول الكثيرين، فإن هناك أسبابًا عديدة تدعو إلى التحفّظ وإبقاء قدرٍ من الشك.
إن محاولة استيعاب الفترات الزمنية المعنية ليست بالأمر السهل أصلًا. على سبيل المثال، يُذكر كثيرًا أن كليوباترا (المولودة عام 69 قبل الميلاد) عاشت في زمن أقرب إلى اختراع هاتف آيفون (الذي صدر عام 2007) مما عاشت إلى زمن بناء هرم الجيزة العظيم (نحو عام 2600 قبل الميلاد). لذلك فالأهرامات، وقبر الفرعون خوفو على وجه الخصوص، قديمة بلا شك.
ومع ذلك، يرى بعض الناس أن الهرم ليس قديمًا بما يكفي. فهناك العديد من نظريات المؤامرة التي تزعم أنه أقدم بكثير مما نظن، وأنه بُني على يد حضارة قديمة متقدمة تقنيًا، أو حتى –بحسب بعض الادعاءات– بواسطة كائنات فضائية.
في دراسة جديدة لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، يظن مهندس من جامعة بولونيا أنه وجد دليلًا يشير إلى أن هرم الجيزة العظيم أقدم مما يُفترض عادة، وذلك عبر تحليل التعرية التي أصابت بنية الهرم بفعل العوامل الجوية.
إن الأهرامات التي نراها اليوم لا تبدو كما كانت عند بنائها. إذ كانت الكتل الحجرية الضخمة التي نراها الآن مغطاة في الأصل بطبقة من أحجار الكسوة المصنوعة من الحجر الجيري، ما منح الهرم مظهرًا أملسًا ولامعًا. وقد أُزيلت هذه الأحجار تدريجيًا عبر القرون لاستخدامها في أعمال بناء أخرى، ما كشف عن الكتل الحجرية الضخمة الكامنة تحتها. وما تزال بعض هذه الأحجار موجودة عند قاعدة الهرم، بعدما حمتها الرمال من الإزالة وسهّل دفنها صعوبة الوصول إليها.
كتب ألبرتو دونيني في دراسته: «قمتُ بقياس مقدار التعرية على سطح الأحجار التي كانت مغطاة بأحجار الكسوة، وقارنتها بتعرية الأحجار المجاورة التي ظلت مكشوفة للعوامل الجوية منذ وضعها عند بناء النصب».
ويضيف: «ينبغي أن يكون حجم المادة المتحللة متناسبًا مع مدة تعرضها لعمليات التعرية. وعن طريق مقارنة هذين النوعين من التعرية، يمكن حساب تاريخ محتمل لبناء هذا الهيكل».
حاول دونيني فحص التعرية في المناطق التي نعرف المدة التي تعرضت فيها الأحجار الأساسية للعوامل الخارجية، ثم قارنها بمناطق أخرى لا نعرف بدقة إطارها الزمني. ومن المفيد في هذا السياق أننا نعرف متى أُزيلت بعض أحجار الكسوة، إذ استُخدم بعضها في تشييد مبانٍ في القاهرة.
وبعد تحليل آثار التجوية على الهرم باستخدام نموذج إحصائي، خلص دونيني إلى وجود احتمال بنسبة 68.2٪ أن تاريخ بناء هرم الجيزة العظيم يقع بين 8954 و36878 قبل الميلاد، بمتوسط يبلغ نحو 22916 قبل الميلاد.
ويكتب دونيني: «مع أن نطاق التواريخ الناتجة واسع، فإن النتائج تشير إلى احتمال منخفض للتأريخ الأثري الرسمي الذي يضع بناء الهرم نحو عام 2560 قبل الميلاد. ولهذه الأسباب، فمن المرجح أن يعود تاريخ أهرامات آخت خوفو إلى نحو 23000 قبل الميلاد».
ويضيف: «لذلك قد يكون من المحتمل أن الفرعون خوفو لم يبنِ الهرم أصلًا، بل قام فقط بترميمه ونسب بناءه إلى نفسه».
وبناءً على التقرير الأولي لقياسات التعرية النسبية (REM) التي أُجريت على هرم خوفو، يرى الباحث أنه من الممكن استنتاج وجود حضارة في مصر قبل نحو 20 ألف عام قبل الميلاد كانت قادرة – على الأقل – على بناء هرم بحجم هرم خوفو.
قد تبدو هذه الفكرة مثيرة، لكن لا ينبغي التخلي عن التفكير النقدي لمجرد أن الاستنتاجات تبدو غريبة أو لافتة. فدونيني نفسه يؤكد أن هذه النتائج لا تهدف إلى تحديد تاريخ دقيق، بل إلى تقديم تقدير تقريبي فقط، وللدراسة قيود عديدة أيضًا.
فمثلًا، تفترض الدراسة أن معدلات التعرية ثابتة، بينما تغيرت الظروف البيئية حول الأهرامات عبر القرون. فقد كانت مصر في الماضي أكثر رطوبة، وهو ما كان سيؤثر حتمًا في معدلات التعرية.
ويمكن أن تغطي الرمال أسطح الأحجار وتحميها من بعض العوامل الجوية، في حين ساهم ازدياد النشاط السياحي حول الأهرامات في القرون الأخيرة في تسريع تدهورها.
إضافةً إلى أن هذه النتائج تتعارض مع محاولات سابقة لتحديد عمر الأهرامات باستخدام عدة طرق علمية موثوقة.
في البداية، جرى تأريخ الأهرامات عبر سنوات طويلة من العمل الأثري الدقيق. ويوضح عالم المصريات والآثار مارك لينر في حديثه لقناة PBS: «نحن نؤرخ الأهرامات أساسًا عن طريق موقعها في تطور العمارة المصرية والثقافة المادية عبر نحو ثلاثة آلاف عام. لذلك لا نعتمد على دليل واحد في الجيزة وحدها، بل على مجمل علم المصريات وعلم الآثار المصري».
ويضيف: «الفخار مثال جيد. فكل قطع الفخار التي نعثر عليها في الجيزة تشبه فخار عصر خوفو وخفرع ومنقرع، الملوك الذين بنوا هذه الأهرامات فيما نطلق عليه السلالة الرابعة من عصر الدولة القديمة. ونحن ندرس تطور الفخار عبر آلاف السنين، وهناك خبراء متخصصون في كل فترة من هذه الفترات».
وعندما طُورت لاحقًا تقنيات التأريخ بالكربون المشع، جرى تأكيد هذه التواريخ عن طريق تحليل مواد مختلفة عُثر عليها في مواقع الأهرامات.
وقال عالم الآثار توماس هايام من جامعة أكسفورد لهيئة BBC: «على سبيل المثال، استخدمنا بذورًا ومواد نباتية من مقبرة توت عنخ آمون، وهي مؤرخة بدقة كبيرة. واستخدمنا أيضًا بذورًا من غرفة تقع أسفل هرم سقارة المدرج تعود إلى سنة محددة من حكم الملك زوسر».
وتُعد هذه الطرق، التي توصلت جميعها إلى الإطار الزمني نفسه تقريبًا لبناء الأهرامات، أكثر موثوقية وأقل عرضة للتأثر بالعوامل الخارجية –مثل اختلاف معدلات التعرية– من الطريقة التي استخدمها دونيني. وحتى تخضع هذه الدراسة لمراجعة علمية دقيقة وتتوصل أبحاث أخرى إلى النتائج نفسها، وتنقض الطرق الأكثر موثوقية السابقة، فلن يكون هناك سبب لتغيير التاريخ المعروف لبناء الأهرامات. وسيظل هرم الجيزة العظيم واحدًا من أقدم المعالم البشرية المدهشة، إذ بُني على الأرجح نحو عام 2600 قبل الميلاد.