كم من الوقت تستغرق الشمس لتدور حول نفسها؟
تدور العديد من الأجرام السماوية في الفضاء، ولا يمثل كوكب الأرض استثناءً، إذ يكمل دورانه الكامل في حوالي 24 ساعة. بينما يحتاج كوكب الزهرة إلى 243 يومًا أرضيًا لإتمام دورة واحدة، ويستغرق القمر حوالي 27 يومًا لإكمال دورانه.
تدور الشمس أيضًا، لكن مدة دورانها تختلف بحسب موقع الرصد على سطحها. في عام 1612، رصد عالم الفيزياء والفلك الإيطالي غاليليو غاليلي الشمس باستخدام تلسكوبه، ورسم البقع الشمسية الداكنة التي لاحظ تحركها عبر سطح الشمس مع مرور الوقت. وأوضح عالم الفيزياء الشمسية بجامعة ستانفورد، ج. تود هوكسيما، لمجلة Live Science: «تتبع غاليليو مجموعة من البقع الشمسية، وتوصل إلى استنتاج مفاده أن الشمس تدور أيضًا». بقياس سرعة حركة هذه البقع، اكتشف غاليليو أن الشمس تدور مرة كل 28 يومًا، إلا أن هذا الرقم لا يعكس بدقة كامل سرعة دوران الشمس.
بعد عدة قرون، وفي منتصف القرن التاسع عشر، استخدم عالم الفلك الإنجليزي ريتشارد كارينغتون طرق غاليليو نفسها مع تلسكوب أفضل لقياس معدل دوران الشمس. حدد كارينغتون سرعة دوران البقع الشمسية في منطقة تقع على خط عرض يقارب 30 درجة، حيث تُلاحظ البقع الشمسية غالبًا، ووجد أنها تكمل دورة كاملة حول الشمس في حوالي 27.3 يومًا.
أوضح هوكسيما أن معظم البقع الشمسية تختفي خلال أسبوع إلى أسبوعين، لذلك لا تدوم طوال الدورة الكاملة. ومع ذلك، تمكن العلماء من تتبع حركتها لأيام معدودة لتحديد متوسط سرعة دوران الشمس والفترة اللازمة لإتمام دورة كاملة.
تشير نيكولين فيال، عالمة فلك في مركز غودارد للطيران الفضائي التابع لناسا، إلى أن دوران الأرض حول الشمس في نفس اتجاه دوران الشمس يؤثر في القياسات المأخوذة من الأرض. تُسمّى هذه الطريقة بالسرعة الدورانية الظاهرية (synodic rotation rate)، وهي أطول بحوالي يومين من معدل الدوران النجمي (sidereal rotation rate). يشمل معدل دوران كارينغتون 27.3 يومًا هذين اليومين، ما يعني أن الشمس تدور أكثر من دورة كاملة خلال هذه الفترة. مع ذلك، اعتُمِد معدل دوران كارينغتون كمرجع قياسي.
يؤكد العلماء اليوم أن معدل الدوران النجمي، الذي يقيس دوران الشمس بالنسبة لحركة النجوم، يصل إلى حوالي 25.4 يومًا عند خط العرض الذي رصد فيه كارينغتون البقع الشمسية. ووفقًا له، يُعتبر هذا المعدل هو الأصح من الناحية الفيزيائية.
يعتمد معدل دوران الشمس أيضًا على خط العرض وعمقها. لاحظ هوكسيما أن جميع مناطق الشمس لا تحتوي على نفس عدد البقع الشمسية، فالبقع تكاد تكون معدومة عند القطبين وقليلة نسبيًا عند خط الاستواء. لذلك يضطر الباحثون إلى أخذ القياسات في مناطق مختلفة للحصول على صورة دقيقة.
تسمّى هذه الظاهرة بـ "الدوران التفاضلي"، إذ تدور أجزاء الشمس بمعدلات مختلفة لأنها تتكون من غاز، بينما الأرض تدور بشكل صلب وجميع أجزائها تتحرك معًا.
بدأ العلماء في سبعينيات القرن الماضي باستخدام طرق جديدة لمراقبة دوران الشمس، منها الهليوزيمولوجيا، التي تعتمد على دراسة الموجات الصوتية داخل الشمس لتحديد خصائصها. كما يمكن قياس دوران الشمس بمراقبة تأثير دوبلر، إذ تتغير أطوال موجات الضوء وفق اتجاه حركتها.
جمع العلماء البيانات من مصادر مختلفة ليكتشفوا أن الشمس تدور أسرع عند خط الاستواء، حيث تكمل دورة كاملة في حوالي 24.5 يومًا، وأبطأ عند القطبين، حيث تستغرق الدورة حوالي 34 يومًا أو أكثر. يمتد هذا الاختلاف من سطح الشمس حتى قاعدة منطقة الحمل الحراري. كما يختلف معدل دوران الشمس بحسب العمق: تدور المنطقة الإشعاعية، الواقعة بين منطقة الحمل الحراري والنواة، كمادة صلبة بمعدل حوالي 26.6 يومًا، بغض النظر عن خط العرض.
لا يزال العلماء غير متأكدين من سرعة دوران نواة الشمس، لأن القياسات الدقيقة داخلها غير ممكنة حاليًا. ويظل هذا الأمر أحد التحديات التي ستحتاج إلى دراسة مستقبلية لمعرفة إجابة دقيقة.