كيف بدأت المياه المعبأة؟ تاريخ يفاجئك
قد تبدو المياه المعبأة، سواءً في أوعية قابلة لإعادة الاستخدام أم زجاجات زجاجية أم تلك القوارير البلاستيكية واسعة الانتشار ظاهرة حديثة، لكن لمفهوم تعبئة المياه تاريخ طويل ومفاجئ. تعود هذه الممارسة إلى روما القديمة، مرورًا بمنتجعات أوروبا الكبرى، وصولًا إلى أمريكا الاستعمارية.
الأصول القديمة للمياه المعبأة
يقول مايكل ماشا، عالم الأنثروبولوجيا وخبير المياه ومؤلف كتاب "مياه فاخرة: دليل الخبير إلى عالم المياه الممتازة"، إن أقدم مثال موثّق لنقل المياه في أوعية يعود إلى الإمبراطورية الرومانية.
كانت المياه المعدنية الفوّارة طبيعيًا من أماكن مثل أبوليناريس في شمال ألمانيا من أوائل المياه التي عُبئت ونُقلت. وبالرغم من تصنيع الزجاج في روما القديمة، فإنه كان مكلفًا جدًا لاستخدامه في تعبئة المياه، لذلك استُخدمت الجرار الفخارية بدلًا منه.
ويضيف ماشا: «توجد سجلات من الإمبراطورية الرومانية توثّق نقل أوعية فخارية مملوءة بالمياه من أبوليناريس عبر أنحاء الإمبراطورية. وهنا، بالنسبة لي، بدأت فكرة المياه المعبأة».
لكن بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، توقفت هذه التعبئة فترة طويلة.
ظهر نوع آخر من المياه المرغوبة في القرن الخامس تقريبًا، مع ازدياد زيارات الحجاج إلى الآبار المقدسة –المعروفة أيضًا بالآبار المباركة– في أوروبا والشرق الأوسط. لم يكن شرب هذه المياه مجرد طقس تعبدي، بل ارتبط غالبًا بفوائد صحية مزعومة، مثل علاج أمراض معينة. وتضم أيرلندا أكبر تركيز من هذه الآبار، إذ يتجاوز عددها 3000 بئر.
كان الزوار يحملون معهم الماء المقدس إلى منازلهم، ولإثبات أصالته، كانت كل بئر تنتج قارورة سيراميكية خاصة بها مزودة بختم فريد.
مدن المنتجعات الأوروبية وتكريس العلاقة بين الماء والصحة
ترسّخت العلاقة بين المياه والصحة في عصر مدن المنتجعات الأوروبية الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وازدادت أهميتها في فترة الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
كانت المدن آنذاك تعاني تلوثًا شديدًا، وكانت المياه الحضرية ناقلًا رئيسيًا لأمراض مثل الكوليرا والتيفوس. لذلك، عندما كان الأثرياء يقضون أسابيع في المنتجعات الصحية ويشربون مياهًا نظيفة، كانوا يشعرون بتحسن واضح. وكما في حالة الآبار المقدسة، ادعت هذه المنتجعات أن مياهها المعدنية تمتلك خصائص علاجية.
لم تكن هذه المنتجعات في متناول الجميع، بل أصبحت رمزًا للمكانة الاجتماعية. ومع انخفاض تكلفة تصنيع الزجاج، بدأ الناس ينقلون مياه المنتجعات إلى المدن في زجاجات.
تُعد بلدة روغاشكا سلاتينا في سلوفينيا إحدى أبرز المحطات في تاريخ صناعة المياه المعبأة الحديثة. وُثق استخدام ينابيعها عام 1141، ووُضع حجر الأساس لمنتجعها عام 1572، ثم افتُتح مركزها الطبي عام 1594. لاحقًا، أُنشئ مصنع زجاج بجوار المنتجع لتلبية الطلب المتزايد على تعبئة المياه، ما مثّل نقطة التقاء حاسمة بين مصدر الماء ووسيلة تعبئته. وبحلول أواخر القرن الثامن عشر، كانت تُنتج نحو 20 ألف زجاجة سنويًا.
أسهمت السكك الحديدية لاحقًا في توسيع نطاق توزيع المياه المعبأة، إذ أصبح من الممكن نقلها لمسافات بعيدة رغم ثقلها وهشاشة عبواتها.
المياه المعبأة في أمريكا الاستعمارية
في عام 1767، باع منتجع جاكسون في بوسطن المياه المعبأة من الينابيع مقابل عملة نحاسية لربع غالون. في الوقت ذاته، بدأت الينابيع المعدنية الأمريكية تجذب زوارًا أثرياء من مختلف أنحاء البلاد.
زار عدد من الآباء المؤسسين الينابيع المعدنية، ومنهم توماس جيفرسون، وجورج واشنطن، وجيمس ماديسون، الذين أبدوا اهتمامًا بالفوائد الصحية لمياه ينابيع ساراتوغا في نيويورك.
زار واشنطن ينابيع ساراتوغا عام 1783، وكتب إلى أحد أصدقائه عن خصائصها الفوارة الناتجة عن احتوائها على كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، مشيرًا إلى أن بعض الزجاجات كانت تنفجر بسبب الضغط الداخلي.
في بدايات صناعة المياه المعبأة في الولايات المتحدة، ركز الاهتمام على فوائدها الصحية.
أجرى الطبيب بنيامين راش دراسة حول مياه الينابيع عام 1773، ثم نشر كتيبًا عام 1786 يشرح فوائدها الطبية.
واستمرت هذه النظرة إلى المياه المعبأة بوصفها منتجًا علاجيًا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. بل إن الصيدليات شكّلت أكبر سوق لها في أوائل القرن العشرين. آنذاك، كانت تُستهلك أساسًا على أنها دواء أو وسيلة لتعزيز «العافية»، وليس مصدر عادي للترطيب.
أما المياه الغازية الصناعية، التي اخترعها جوزيف بريستلي عام 1767 وبدأت شركة شويبس في تعبئتها عام 1783، فقد عُدّت في البداية مجرد ابتكار مثير للاهتمام قبل أن تتحول إلى صناعة قائمة بذاتها.
عودة المياه المعبأة وصعود الصناعة الحديثة
بينما استمر الأوروبيون في استهلاك المياه المعدنية، تحوّل الأمريكيون في القرن العشرين إلى المشروبات الغازية المحلاة، خاصة في عصر "نافورة الصودا".
لكن في عام 1976، بدأت علامة بيريه الفرنسية للمياه الفوارة الطبيعية حملة إعلانية في الولايات المتحدة، ركزت على إبراز المياه المعبأة بوصفها خيارًا صحيًا وأنيقًا. تزامنت هذه الحملة مع ازدهار ثقافة اللياقة البدنية، ما ساهم في إعادة ترسيخ المياه المعبأة في السوق الأمريكية.
في فترة الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية الجديدة، ازداد الطلب عليها ازديادًا ملحوظًا. ومنذ عام 2016، تجاوزت مبيعات المياه المعبأة في الولايات المتحدة مبيعات المشروبات الغازية سنويًا.
لم تكن المياه المعبأة مجرد منتج استهلاكي حديث، بل تطورت عبر قرون طويلة بوصفها ماءً مقدسًا، وعلاجًا صحيًا، ورمزًا اجتماعيًا، قبل أن تتحول إلى صناعة عالمية ضخمة. ويكشف هذا المسار التاريخي أن القيمة التي منحها البشر للمياه المعبأة لم تكن دائمًا في الماء نفسه، بل في المعنى الذي أضفوه عليه عبر الزمن.