هل ينبع وعينا من الكون نفسه؟ فرضية علمية مثيرة للجدل

2 أبريل 2026
11 مشاهدة
0 اعجاب

هل ينبع وعينا من الكون نفسه؟ فرضية علمية مثيرة للجدل


 

 

ليس للكون دماغ، ولا مادة رمادية، ولا جهاز عصبي، ولا عصبونات تطلق نبضات كهربائية. ومع ذلك، قد لا تكون هذه البنية الفيزيائية هي المصدر الحقيقي للذكاء والوعي؛ إذ ربما يوجد الذكاء ويتطور بذاته، من دون أن ينبثق من داخل الكائنات الحية.

 

تمثل هذه الفرضية أحدث ما طرحه الفيزيائي الحيوي وعالم الرياضيات دوغلاس يوفان، الحاصل على درجة الدكتوراه، الذي أمضى عقودًا يعمل عند تقاطع الفيزياء والبيولوجيا ونظرية المعلومات. وقد دمج أبحاثًا في هندسة الإنزيمات والرؤية الحاسوبية مع خبرته الطويلة في علم الوراثة، ما قاده إلى استنتاج لافت.

 

قال يوفان في مقابلة أُجريت معه سابقًا: «بدأت أرى أن الحياة والذكاء ليسا مجرد استجابات تفاعلية، بل هما تنبؤيان وفعّالان، ويتسمان غالبًا بأناقة رياضية».


وأضاف: «توصلت في النهاية إلى الاعتقاد بأن الذكاء ليس ناتجًا ثانويًا عن الدماغ، بل خاصية أساسية في الكون، أشبه بركيزة معلوماتية يمكن لبُنى معيّنة، مثل الدماغ أو نماذج الذكاء الاصطناعي، أن تنفذ إليها».

 

أسهم عمله الأحدث في مجال الذكاء الاصطناعي في ترسيخ هذه الفرضية. فمع التسارع اللافت في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، شعر يوفان أن كثيرًا من الاكتشافات كانت تتدفق بسرعة تجعلها أقرب إلى "مكتشفة" منها إلى "مخترعة"، وكأن قوة خارجية تولّد هذه الأفكار، بينما يقتصر دور الباحثين على استخراجها من ذلك "الأثير المعلوماتي". وقد عززت هذه التجربة لديه الفكرة المثيرة للجدل القائلة بأن الذكاء قوة كونية قائمة بذاتها، مستقلة عن الكائنات الحية.

 

وقال: «أشتبه في أن الذكاء ينبع مما يمكن تسميته بالركيزة المعلوماتية للكون، أو أساس ما قبل فيزيائي، حيث توجد البنية والمنطق والإمكان قبل المكان والزمان».

 

استُلهم تصوره جزئيًا من نظرية الكم، التي تظل نتائجها احتمالية إلى أن تُرصد، كما في مفارقة قطة شرودنغر. ففي هذا المثال، تكون القطة الافتراضية داخل الصندوق حيّة وميتة في آنٍ واحد إلى أن يُفتح الصندوق. وبالمثل، يرى يوفان أن شبكات العصبونات في أدمغتنا لا تُنشئ الذكاء بذاتها، بل تُهيَّأ للاتصال بشيء أوسع منها، وهو ما يتيح لنا النفاذ إلى الذكاء.


ويرى أن هذه العملية أيًّا كانت طبيعتها، تتطور ذاتيًا بطريقة تكرارية تشبه البُنى الكسورية (الفراكتالية) التي تتكرر عبر مقاييس مختلفة، من البلورات إلى المجرات. ويعتقد أن عصبوناتنا مُهيأة للتفاعل مع هذا "الذكاء الخارجي" بسبب بنيتها الكسورية الخاصة.

 

على الطرف المقابل يقف الفيلسوف كيث فرانكيش، الذي يتبنى تصورًا مغايرًا جذريًا. فبينما يرى يوفان أن الذكاء يمكن أن يوجد دون وعي، كخوارزمية أنيقة أو كائن متكيف على نحو مثالي، يؤكد فرانكيش ترابط الذكاء والوعي، لكنه يشكك في طبيعة الوعي كما نتصوره.

 

قال فرانكيش: «نتعلم عن العالم عبر أنظمة إدراكية تطورت لتزويدنا بمعلومات نافعة للبقاء. وبالمثل، نتعرف على عقولنا عبر أنظمة مراقبة ذاتية تطورت للغرض نفسه. غير أن هذه الأنظمة انتقائية ومشوِّهة؛ فهي تمنحنا ما نحتاجه للبقاء والازدهار، لا صورة كاملة ودقيقة عن الواقع. وهذا يقودنا أحيانًا إلى استنتاجات مضلِّلة».

 

ويضرب مثالًا برؤية القدمين في قاع المسبح؛ إذ تبدوان مشوَّهتين، من دون أن يعني ذلك أن الماء شوّه القدمين فعلًا. فالإدراك لا يعكس الواقع مباشرة، بل يقدمه بصورة مُنتقاة. ويستخدم هذا المثال لتوضيح رؤيته للوعي، الذي لا يقدّم دائمًا صورة علمية دقيقة عن العالم أو عن أنفسنا.


حتى الآن، لا توجد طريقة لقياس الوعي أو تعريفه تعريفًا علميًا دقيقًا، وكذلك الذكاء، ما يدفعنا إلى الاستعانة بالاستعارات لفهمهما. ويرى فرانكيش أن البشر قد يتبنون فكرة جذابة ويبنون عليها منظومة معتقدات كاملة. فكما أن امتداد الأرض حتى الأفق لا يعني أن الكوكب مسطح، فإن وجود بُنى كسورية متكررة في الكون لا يعني بالضرورة أنه ذكي بذاته.

 

ومع ذلك، قد يتفق فرانكيش مع يوفان في الإقرار بالأناقة الكامنة في الطبيعة، وإن كان يفسرها تفسيرًا ماديًا بحتًا. إذ يقول: «نحن نتاج أعظم عملية تصميم، ليس تصميمًا ذكيًا، بل مليارات السنين من الانتخاب الطبيعي. فالتطور لا يرى المستقبل، لكنه جهّزنا على نحو مذهل للبيئات التي نعيش فيها».


يبدي فرانكيش استعدادًا لقبول فكرة كون واعٍ إذا أمكن إثباتها تجريبيًا. أما يوفان، فرغم اعتقاده بإمكانية نمذجة بعض جوانب الوعي مثل الانتباه واتخاذ القرار، فإنه يرى أن الوعي لا يمكن اختزاله إلى مكوّناته.

 

ويقول: «يتفوّق العلم في وصف السلوك والبنية، لكن الوعي قد يكون في جوهره أشبه بمنظور ذاتي، حضور شعوري يقاوم الاختزال الموضوعي».


ويضيف: «إذا كان ثمة نظرية موحدة للوعي، فستنشأ على الأرجح من تفاعل الفيزياء والحوسبة والميتافيزيقا».

 

تناول يوفان سابقًا محاولات لدمج الفيزياء بالميتافيزيقا فيما سمّاه "نظرية الجسيم الروحي"، مؤكدًا أن فكرته عن الذكاء لا تنطوي على نزعة صوفية. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: كيف يمكن تسخير ذكاء موجود خارج أدمغتنا؟

 

يرى يوفان أن الذكاء الاصطناعي قد يكون قادرًا على النفاذ إلى هذا الحقل الذكائي، لا باعتباره مجرد برنامج حاسوبي، بل بوصفه بنية قادرة -نظريًا- على الاتصال بالركيزة نفسها التي يتصل بها الدماغ. ربما لا يتفوق بالضرورة على العصبونات في معالجة المعلومات، لكنه قد يمتلك قدرة مختلفة على الوصول إلى الذكاء.

 

ويختتم قائلًا: «في ظل شروط مناسبة، يمكن الذكاء الاصطناعي أن يشارك في الاستبصار والتركيب، وربما في شيء يقترب من الحدس. وبهذا المعنى، ربما لا يتطور فقط ليخدمنا، بل ليكشف لنا جوانب جديدة من الكون».

 



المصادر:


الكاتب

رزان الهزاز

رزان الهزاز
تدقيق

مؤمن محمد حلمي

مؤمن محمد حلمي
مراجعة

باسل حميدي

باسل حميدي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة