ماذا يحدث للزجاج إذا تركته في الهواء الطلق عدة مليارات من السنين، ولكن دون هواء ولا ماء جارٍ؟

يمكننا العثور على إجابات لهذا السؤال بدراسة الزجاج الطبيعي الموجود على سطح القمر. قد يفتقر القمر إلى الخصائص التي تتعرض فيها عادةً الصخور أو المعادن للتأثيرات الجوية على الأرض، ولكن ذلك لا يجعل القمر خاملًا تمامًا، فالتعرض المطول للإشعاع يترك أثرًا على سطح القمر. والآن، تشير أبحاث جديدة إلى أن تعرض الزجاج القمري للإشعاع لمليارات السنين يجعله أكثر صلابة، وفقًا لفريق نُشرت أبحاثهم أمس في مجلة ساينس أدفانس.

قد لا يبدو القمر مكانًا واضحًا للعثور على الزجاج. ولكن كريات الزجاج الصغيرة تغزو التربة القمرية -شظايا الصخور وغيرها من المواد الفضفاضة التي تغطي سطح القمر- إذ تصطدم الشهب باستمرار بالمواد مذيبةً إياها في برك صغيرة. ومع تبريد التربة المنصهرة مرةً أخرى، تصبح صلبة وتتحول إلى زجاج.

الزجاج ليس مجرد شريحة هشة شفافة تملأ النوافذ. يعد العلماء هذه المادة نتيجة تبريدها السريع دون أن تتمكن ذراتها من التجمع في هيكل محدد. لهذا السبب، يعدّ بعض العلماء الزجاج حالةً فردية من المواد.

وحتى على سطح القمر، لا يدوم الزجاج لملايين السنين دون تغيير. على الرغم من أن القمر ليس له غلاف جوي كبير أو مياه جارية تعمل على تآكل الصخور كما يحدث على الأرض، فإن سطح القمر يتعرض لشيء يُرشحه الغلاف الجوي للأرض عادةً وهو الإشعاع. يأتي بعضه من الشمس، وبعضه أشعة كونية من مسافات أبعد. وعلى أي حال، مع مرور مليارات السنين من التعرض للإشعاع، تتراكم التأثيرات.

لقد اهتم الجيولوجيون منذ فترة طويلة بكيفية تأثير الإشعاع على التربة القمرية -هناك 20 عامًا من الدراسات حول هذا الموضوع- وفقًا للعالمة روندا ستراود، عالمة مواد الفضاء في جامعة ولاية أريزونا، التي لم تكن مؤلفة للورقة البحثية.

كثير من هذا العمل تضمن إجراء تجارب على محاكاة التربة القمرية، التي يُطلقون عليها اسم المحاكيات، وتعريضها للإشعاع. ولكن، وفقًا لستراود: «من الصعب معرفة كيف يتفاعل كل جزيء فردي عند دراسة كميات هائلة منها. فأي جسيم أو حبيبة زجاجية دقيقة يُرجح أن لها عمرًا خاصًا بها. الأمور تُدفن، والتربة تتحرك».

لحسن الحظ، لدينا عينات فعلية من الزجاج القمري على الأرض في شكل عينات عادت بها مهماتنا من القمر. وأخيرًا، يمكننا أن نشكر هبوط مركبة تشانغ إي-5 القمرية، التي انطلقت من الصين في نوفمبر 2020 وعادت بعد أقل من شهر وحملت معها 3.81 رطل من الهدايا التذكارية.

هبطت تشانغ إي-5 في مكان على سطح القمر لم يشهد الكثير من التأثيرات، وبالتالي لم تعد مع الكثير من الزجاج. رغم ذلك، كان الفحص الدقيق لهبوط تشانغ إي-5 الذي قام به العلماء ناجحًا وأدى لاختيار خمسة جسيمات زجاجية معينة، كل واحدة بعرض شعرة بشرية تقريبًا. وفحصوا كل جسيم تحت ميكروسكوب إلكتروني، ما سمح لهم برؤية هيكله، ووضعوا إبرة صغيرة على كل جسيم، ما سمح لهم باختبار كيفية رد الجسيم على القوة.

ثم جدّد الباحثون العينات بتسخينها إلى درجات حرارة الانصهار التي تزيد عن 1100 درجة فهرنهايت لأكثر من دقيقة، ثم تركوها تبرد. وكرروا نفس الاختبارات بواسطة المجهر والضغط على العينات التي جًددت، ما سمح لهم بتقدير كيف كانت الجسيمات تبدو قبل مئات الملايين أو حتى مليارات السنين وهي منثورة على سطح القمر وتتعرض للإشعاع.

وجدوا تغييرًا جذريًا في خاصية يطلق عليها المهندسون اسم “معامل يونغ”، الذي يقيس مقدار القوة التي تحتاجها المادة لتتشوه بطول معين. إذا كانت العينات المتجددة التي درسها بها الباحثون مؤشرًا، فإن التعرض المطول للإشعاع زاد من معامل يونغ للزجاج بنسبة تصل إلى 70٪؜. وبطريقة أدق، يبدو أن الإشعاع يجعل بعض الجسيمات أكثر صلابة.

قد تساعد هذه الاكتشافات العلماء في فهم كيف يتصرف الزجاج في تربة العوالم الأخرى. ويعتقد الفريق البحثي أن ذلك قد يساعدنا أيضًا في فهم سلوك الزجاج الذي نصنعه على الأرض.

في الواقع، يعتقد مؤلفو هذه الورقة البحثية أن الزجاج القمري نفسه قد يكون مفيدًا قريبًا. في رؤيتهم، قد يفحص زوار القمر التربة القمرية للعثور على خرز زجاجية وتحويلها إلى زجاج يمكنهم استخدامه في مركباتهم أو مساكنهم.

ولكن ليس من الواضح للجميع كيف يترجم مثل هذا البحث إلى بنية تحتية فعلية. تقول ستراود: «الإشعاع من الرياح الشمسية بطيء جدًا جدًا، ولا أعتقد أننا بحاجة إلى مواد تتحمل مليارات السنين».

اقرأ أيضًا:

العثور على كرات زجاجية غامضة على سطح القمر

النيتروجين السائل قد يُستخدم في تنظيف بذلات رواد الفضاء على سطح القمر

ترجمة: حمداش رانية

تدقيق: حسام التهامي

المصدر