اختلافات عميقة في الغلاف الجوي تكشف عنها العواصف القطبية على كوكبي زحل والمشتري
يُعد كوكبا المشتري وزحل أكبر كواكب المجموعة الشمسية وأكثرها تشابهًا من حيث التركيب العام والخصائص الفيزيائية. فكلاهما يتكون أساسًا من الهيدروجين والهيليوم، ويدوران بسرعات متقاربة، ويشعان قدرًا مماثلًا من الحرارة الداخلية الناتجة من التفاعلات العميقة في باطنهما. كما يشتركان في امتلاك عدد كبير من الأقمار الطبيعية ما يجعلهما نموذجين متقاربين لدراسة الكواكب الغازية العملاقة. مع ذلك، ورغم هذا التشابه اللافت، برز اختلاف جوهري حير العلماء لعقود طويلة، يتمثل في طبيعة وتنظيم العواصف القطبية التي تميز كلًا منهما.
ففي حين يظهر على كل قطب من قطبي زحل إعصار واحد ضخم ومتماسك، يتميز المشتري ببنية أعقد، إذ يهيمن إعصار قطبي كبير تحيط به مجموعة من الأعاصير الأصغر مرتبة في نمط هندسي شبه منتظم. هذا التباين الواضح في السلوك الجوي القطبي دفع العلماء إلى التساؤل عن أسبابه العميقة، وما إذا كان مرتبطًا فقط بالظروف السطحية، أم أنه يعكس اختلافات جوهرية في البنية الداخلية لكل كوكب.
في هذا السياق، اقترح فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، يضم العالِمَين وانينغ كانغ وجيارو شي، تفسيرًا جديدًا يعتمد على العلاقة بين العواصف السطحية والطبقات العميقة داخل الكوكبين. يفترض هذا التفسير أن الاختلاف لا يكمن في طبيعة العواصف بحد ذاتها، بل في الكيفية التي تنشأ بها هذه العواصف ومدى اقترانها بالطبقات الداخلية، إضافةً إلى خصائص القاعدة التي تتشكل عندها الدوامات الجوية.
تشير نتائج الدراسة إلى أن الغلاف الجوي لزحل يسمح بنمو حُر للعواصف واندماجها، ما يؤدي في النهاية إلى تشكل إعصار قطبي واحد ضخم. أما في حالة المشتري، فإن الغلاف الجوي يفرض قيودًا على حجم العواصف فتظل الدوامات متعددة ومنفصلة ولا تتمكن من الاندماج في بنية واحدة شاملة.
توضح كانغ أن هذا السلوك يرتبط بدرجة اقتران العواصف بالطبقات العميقة، قائلة إن خصائص باطن الكوكب، إلى جانب مدى ليونة أو صلابة القاعدة التي تستند إليها الدوامة، تؤثر مباشرةً في نمط حركة السوائل الذي يمكن رصده على السطح. تُعد هذه الدراسة من أوائل المحاولات التي تربط مباشرةً بين الأنماط السطحية للعواصف الجوية والخصائص الفيزيائية الداخلية للكواكب الغازية العملاقة.
يتميز كل من المشتري وزحل بطقس شديد الاضطراب، تهيمن عليه عواصف عنيفة، وأحزمة رياح قوية، وسحب كثيفة تتخذ أشكالًا دوامية معقدة. وقد أتاح الرصد الفضائي طويل الأمد، من خلال مهمتَي «كاسيني» إلى زحل و«جونو» إلى المشتري، فرصةً غير مسبوقة لدراسة هذه الظواهر بدقة عالية. وكشفت البيانات المرسلة من هاتين المهمتين أن الاختلاف في العواصف القطبية ليس تفصيلًا هامشيًا، بل سمة أساسية تُميز النظام الجوي لكل كوكب.
لتفسير هذه الظاهرة طور الباحثان نموذجًا ثنائي الأبعاد لديناميكيات السوائل السطحية، مستندين إلى حقيقة أن الأنظمة سريعة الدوران مثل الكواكب الغازية العملاقة تميل فيها حركة الموائع إلى الانتظام على طول محور الدوران. يسمح هذا الافتراض بتبسيط مشكلة ديناميكية معقدة ثلاثية الأبعاد إلى نموذج ثنائي الأبعاد دون فقدان الخصائص الفيزيائية الأساسية، ما يجعل عمليات المحاكاة أكفأ من حيث الزمن والكلفة الحسابية.
تبين النماذج أن العواصف العملاقة على الكواكب الغازية تنشأ في الأساس من اضطرابات أصغر، مثل تيارات الحمل الحراري التي تنمو تدريجيًا وتندمج جزئيًا. غير أن الحجم النهائي لهذه العواصف تحدده عدة عوامل رئيسية من بينها عمق طبقات الغلاف الجوي، وقوة التحريك الناتجة من انتقال الحرارة من باطن الكوكب إلى سطحه، إضافةً إلى معدل فقدان الطاقة عبر الاحتكاك.
أظهرت نتائج الدراسة أن ترتيب وصول هذه العوامل إلى حدودها القصوى يؤدي دورًا حاسمًا في تحديد النمط النهائي للعواصف. في المشتري يتميز الغلاف الجوي بعمق كبير ونشاط حراري قوي ما يسمح بتشكل عدة دوامات. إلا أن الاضطراب المبكر يمنع هذه الدوامات من الاندماج الكامل فتظل محافظة على استقلالها النسبي وتظهر في نمط هندسي منتظم حول القطب. يُعزى ذلك إلى ضعف التطبق الداخلي، وقوة التحريك العالية الناتجة من الإشعاع الحراري، إضافةً إلى بطء فقدان الطاقة عبر الاحتكاك.
أما في زحل، فيبدو أن الغلاف الجوي أعمق من حيث التطبق مع وجود ظروف تقلل من الاضطراب العميق سواء بسبب ضعف التحريك الحراري أو بسبب فقدان أسرع للطاقة بفعل الاحتكاك، أو نتيجة اجتماع العاملين معًا. في هذه الحالة تزول الحواجز التي تمنع اندماج الدوامات فتتوحد جميع العواصف في إعصار قطبي واحد ضخم ومستقر.
تشير الدراسة كذلك إلى أن كثافة الطبقة السفلية التي تتشكل عندها الدوامات لها دور إضافي في هذا الاختلاف. فأنماط العواصف المرصودة على السطح قد تحمل في طياتها معلومات غير مباشرة عن طبيعة الباطن الكوكبي، مثل درجة غناه بالمعادن أو وفرة المواد القابلة للتكاثف.
خلص الباحثان إلى أن فهم الفروق في العواصف القطبية لا يقتصر على دراسة الطقس السطحي فحسب، بل يفتح نافذة جديدة لاستكشاف البنية الداخلية للكواكب الغازية العملاقة. فالمظاهر الجوية التي نرصدها قد تكون بمثابة سجل مرئي يعكس الخصائص الفيزيائية العميقة، ويسهم في تطوير فهم أشمل لتكون وتطور هذه الأجرام العملاقة في النظام الشمسي.