أدلة جديدة تثبت أن كوكب المريخ كان دافئًا ورطبًا ولم يكن باردًا

11 مايو 2026
13 مشاهدة
0 اعجاب

أدلة جديدة تثبت أن كوكب المريخ كان دافئًا ورطبًا ولم يكن باردًا



أظهرت دراسة حديثة أن المريخ كان دافئًا ورطبًا قبل مليارات السنين، يتعارض هذا الاكتشاف مع نظرية أخرى تفترض أن هذه الحقبة كانت على الأغلب باردة وجليدية، وقد تنعكس هذه النتيجة على فكرة احتمالية نشوء الحياة في هذه الفترة.


تُعد مسألة إمكانية الحياة في المريخ في الماضي موضوعًا مثيرًا للاهتمام ومحلّ بحث مكثّف طوال عقود، ويبلغ عمر كوكب المريخ 4.5 مليار سنة كما الأرض، ويقسم تاريخه الجيولوجي إلى حقب زمنية مختلفة.


تناولت آخر دراسة أقدم حقبة جيولوجية عليه تسمى النوحية (Noachian epoch)، وتمتد من 4.1 إلى 3.7 مليار سنة ماضية، وكانت خلال فترة LHB (الاضطراب الثقيل المتأخر Late Heavy Bombardment) للنظام الشمسي، وحينها وُجدت أدلة حول حدوث اصطدامات نيزكية مدمرة على العديد من الأجرام السماوية في جميع أنحاء النظام الشمسي.


من دلائل هذه الحقبة على المريخ هي الأحواض الضخمة هيلاس (Hellas) وأرجاير (Argyre)، وهي منخفضات واسعة ناتجة عن الاصطدامات النيزكية، ويمتد كلاهما لأكثر من ألف ميل على سطح الكوكب، وكلاهما له المساحة الكافية لاحتواء جميع مياه البحر المتوسط مع مساحة إضافية.


قد لا يستطيع المرء تخيل أن تلك الفترة كانت ملائمة لوجود أشكال الحياة الهشة، لكن من المحتمل أن تكون هذه الحقبة هي أكثر حقبة كان المريخ فيها قابلًا للعيش. توجد أدلة كثيرة من التضاريس التي شكلتها المياه سابقًا مثل الأودية الجافة، وأحواض البحيرات، وسواحل قديمة، ومصبات الأنهار.


إن الظروف المناخية السائدة في الحقبة النوحية ما تزال محلّ نقاش مكثف، مع وجود اثنين من السيناريوهات المحتملة: فإما كانت باردة جليدية مع ذوبان عرضي لكميات كبيرة من الثلوج بسبب الاصطدامات النيزكية أو الثورات البركانية، وإما كانت رطبة ودافئة بلا أي ثلوج.


زيادة سطوع الشمس


يزداد سطوع النجوم جميعها (ومن ضمنها الشمس) مع التقدم بالعمر، وفي المراحل المبكرة من عمر النظام الشمسي خلال الفترة النوحية، كانت الشمس أخف سطوعًا بمقدار 30% من نسبة سطوعها في الوقت الحالي، ما يعني أن الحرارة التي تصل إلى المريخ وجميع الكواكب أقل، وللمحافظة على مناخ دافئ ورطب في مثل هذه الظروف، كان من المفترض أن يكون الغلاف الجوي للمريخ كثيفًا جدًا وأكثر سمكًا بكثير مما هو عليه اليوم وغنيًا بالغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون (CO₂).


لكن غاز ثاني أكسيد الكربون يميل إلى التكثف تحت ضغط جوي مرتفع، مكوّنًا غيومًا تقلل من تأثير الاحتباس الحراري، وعند التمعّن في هذه المشكلات يصبح سيناريو المناخ البارد الجليدي أكثر قابلية للتصديق.


انطلقت بعثة بيرسيفيرانس عام 2020 وهبطت بنجاح باهر على المريخ في فبراير 2021، ومن أهدافها العلمية الرئيسية البحث عن دليل يدعم أحد السيناريوهات المفترضة، ويبدو أن الدراسة الجديدة قد حققت ذلك باستعمال بيانات مركبة بيرسيفيرانس.


اختيرت فوهة جيزيرو لتكون موقع هبوط مركبة بيرسيفيرانس، إذ يُعتقد أنها كانت تحتوي على بحيرة في الماضي. وأظهرت مشاهدات الفوهة من المدار عدة رواسب المراوح المميزة (fan-shaped deposits)، وهي رواسب تتكون عند تدفق المياه من المرتفعات إلى مناطق منخفضة وتشبه المروحة لأن المياه تحمل معها التراب والحصى وتترسب تدريجيًا عند انتهاء قوة التيار، وتمتد من قنوات حفرتها المياه الجارية عبر جدران الفوهة. توجد داخل هذه القنوات رواسب وفيرة من معادن الطين التي تتكون عادةً بسبب التفاعل بين الماء والصخور البركانية على مدى وقت طويل.


تذكر الدراسة الجديدة تفاصيل تحليل حديث لحصى من الطين غنية بالألومنيوم تسمى كاولينيت (نوع من معادن الطين) توجد في إحدى القنوات المائية القديمة، وتبيَّن أن هذه الحصى قد تعرضت لظروف جوية قاسية وتحولات كيميائية خلال الحقبة النوحية. ليست هذه النتائج بمفاجئة لبيئة مائية معروفة سابقًا، لكن ما يثير الاهتمام هو انخفاض شديد في نسبة المعادن والمغنيسيوم لهذا الطين، وارتفاع واضح في نسبة التيتانيوم والألومنيوم.


يعد هذا الاكتشاف مهمًا لأنه يعني أن هذه الحصى كانت أقل احتمالًا للتعرض لتغيير في بيئة حرارية مائية تنطلق فيها مياه شديدة السخونة مؤقتًا، نتيجة ذوبان الجليد الناتج عن النشاط البركاني أو سقوط نيزك. بدلًا من ذلك، تعرضت للتغيير تحت درجات حرارة معتدلة وأمطار غزيرة مستمرة.


وجد الباحثون تشابه واضح بين التركيب الكيميائي لهذه الحصى الطينية وتلك التي توجد على سطح الأرض وتعود لفترات في تاريخ كوكبنا عندما كان المناخ أكثر دفئًا ورطوبة. استنتجت الدراسة أن حصى الكاولينيت تعرضت للتغيير تحت مناخ ذو أمطار غزيرة مشابه لفترات الاحتباس الحراري السابقة على الأرض، وأنها على الأرجح أكثر الفترات رطوبة وربما الأكثر ملائمة للحياة في تاريخ كوكب المريخ.


إضافةً إلى ذلك، تستنتج الدراسة أن هذه الظروف ربما استمرت خلال فترات زمنية تتراوح من آلاف إلى ملايين السنين، وقد تصدرت مركبة بيرسيفيرانس الأخبار حديثًا لاكتشافها عينات ذات آثار بيولوجية جمعتها في 2025 من داخل فوهة جيزيرو.


وقد خُزِّنت هذه العينات الثمينة في أوعية مغلقة مخصصة داخل المركبة، تمهيدًا لجمعها بواسطة بعثة مستقبلية لإعادة العينات من المريخ. لسوء الحظ ألغت وكالة ناسا هذه البعثة، فسواء أكانت هذه العينات تحتوي على دليل حيوي لوجود الحياة أم لا، فإن فحصها داخل مختبر على سطح الأرض سيكون مستبعدًا لسنين طويلة.


يُعد معيار نول عاملًا أساسيًا لهذا التحليل المستقبلي، وهو مفهوم صاغه عالم الأحياء الفلكية أندرو نول، وينص على أنه لكي يُعتبر شيء ما دليلًا على الحياة، لا يكفي أن يكون قابلًا للتفسير بالعمليات البيولوجية فقط، بل يجب أن يكون غير قابل للتفسير دونها. ولن نستطيع تحديد تحقيق العينات لهذا المعيار أم لا إلا إذا جُلبت إلى الأرض.


بكل الأحوال وفي المشهد الحالي المهجور والمكشوف للرياح لفوهة جيزيرو في المريخ، من المدهش تخيّل أنه في وقت ما قد كان المناخ استوائي وربما نظام بيئي حي، منذ مليارات السنين قبل أن يمشي أول البشر على الأرض.



المصادر:


الكاتب

رؤيا عبد الودود عبد العزيز

رؤيا عبد الودود عبد العزيز
تدقيق

محمد حسان عجك

محمد حسان عجك



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة