اصطدام كوني قديم حوّل القمر إلى أرشيف جيولوجي مفتوح!

14 يونيو 2026
9 مشاهدة
0 اعجاب

اصطدام كوني قديم حوّل القمر إلى أرشيف جيولوجي مفتوح!



كشفت دراسة جديدة نُشرت حديثًا عن تفاصيل أدق تتعلق بأكبر وأقدم فوهة اصطدام معروفة على القمر، وهي فوهة تمتد أكثر من 2000 كيلومتر على الجانب البعيد من القمر. يمكن لهذه التفاصيل الجديدة أن تساعد على توجيه بعض خطط مهمة ناسا القادمة إلى القمر ضمن برنامج أرتميس، المقرر إطلاقها عام 2028.


حوض القطب الجنوبي–آيتكين على القمر


يُعد حوض القطب الجنوبي–آيتكين أكبر وأقدم حوض اصطدام مؤكد على سطح القمر. يتمتع هذا الحوض بشكل بيضوي متطاول وفريد حير العلماء وأثار جدلًا واسعًا بشأن اتجاه وطبيعة الجسم الذي سبب تكوينه. إذ تشير بعض حالات عدم التماثل في القشرة القمرية إلى أن الجسم الاصطدامي تحرك باتجاه الشمال، في حين يوحي شكل الحوض وبنيته بأن مسار الاصطدام كان نحو الجنوب.


كتب مؤلفو الدراسة: «إن الأحواض الكبيرة على القمر والأجرام الصلبة الأخرى، مثل المريخ وبلوتو، تكون بيضوية الشكل وتتضيق في اتجاه حركة المقذوف بعد الاصطدام. إن تضيق حوض SPA نحو الجنوب، إضافةً إلى الانحدار الأكثر حدة في سماكة القشرة نحو الشمال، ووجود ترسب غني بالثوريوم والحديد إلى الجنوب الغربي من الحوض وخارج حافته، كلها تدعم فرضية أن مسار الاصطدام كان باتجاه الجنوب».


يحدد اتجاه الاصطدام أيضًا المواقع التي ربما استقرت فيها المواد المقذوفة، متضمنةً مواد من وشاح القمر، في أثناء الاصطدام وبعده. كانت النماذج السابقة قد اقترحت أن عرض الجسم الاصطدامي تراوح بين 200 و400 كيلومتر، مع زاوية اصطدام تتراوح بين 30 و45 درجة. غير أن تلك النماذج لم تدرس العلاقة بين اتجاه الاصطدام والتوزيع المرصود لسماكة القشرة في حوض SPA، ولا علاقته بشكل الحوض المتضيق أو نمط توزع المقذوفات. يساعد تحديد هذه التفاصيل على توضيح تاريخ القمر والتخطيط للبعثات القمرية المستقبلية، خاصةً بعثات أرتميس.


تحسين فهم حدث محوري في تاريخ القمر


لفهم حوض SPA والجسم الذي شكله بصورة أفضل، استخدم فريق البحث محاكاة ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لنمذجة الاصطدام مع تغيير عدة معايير على هدف يشبه القمر. استخدم الباحثون أجسامًا متمايزة وأخرى غير متمايزة في محاكاة الاصطدام. في الأجسام المتمايزة تكون المواد قد انفصلت سابقًا إلى نواة كثيفة وطبقات خارجية بفعل عمليات التسخين المبكرة في أثناء تشكلها.


جرى تغيير حجم الجسم الاصطدامي وزاوية الاصطدام وسرعته في المحاكاة، ثم قارن الفريق نتائج كل نموذج بالخصائص الفعلية المرصودة للحوض.


أظهرت أفضل النماذج توافقًا أن شكل حوض SPA يُفسر بصورة أفضل من خلال جسم اصطدامي متمايز يبلغ عرضه 260 كيلومترًا، اصطدم بالقمر من الشمال إلى الجنوب بزاوية منخفضة نسبيًا، دون أن يخترق سطح القمر بالكامل. يرى الباحثون أن النواة الكثيفة لذلك الجسم مسؤولة عن الشكل الضيق المميز للحوض.


أوضحت النماذج أن المواد تُقذف أولًا بعيدًا عن موقع الاصطدام، ثم تنهار الفوهة المؤقتة لاحقًا بفعل الجاذبية، ما يؤدي إلى تشكل ارتفاع مركزي كبير وغير متماثل. تبين أن معظم مواد وشاح القمر التي قذفها الاصطدام سقطت مجددًا داخل الحوض.


السرعة تكشف أصل الجسم الاصطدامي


أدت الاختلافات في سرعة الجسم الاصطدامي إلى ظهور أشكال مختلفة للفوهة. فعند سرعة تبلغ 10 كيلومترات في الثانية، أظهرت النماذج شكلًا مشابهًا للحالة الأفضل توافقًا، لكن التضيق كان مبالغًا فيه. أما عند سرعة 16 كيلومترًا في الثانية، فقد أصبحت الفوهة دائرية أكثر من اللازم مقارنةً بالحوض الحقيقي، ما يشير إلى أن السرعة الفعلية كانت على الأرجح بين هاتين القيمتين.


توفر السرعة أدلة مهمة حول أصل الجسم الاصطدامي. كتب الباحثون: «إن أفضل نماذجنا، التي ترجح سرعة اصطدام قدرها 13 كيلومترًا في الثانية، تشير إلى أن الجسم الاصطدامي كان يدور في مدار منخفض الميل يشبه مدار الأرض قبل اصطدامه بالقمر. وبالنظر إلى التطور التصادمي والديناميكي للكويكبات الأولية المتبقية، فإن المصدر الأكثر احتمالًا لهذا الجسم كان منطقة المريخ، وليس المنطقة الواقعة بين الزهرة والأرض. ربما انتقلت هذه الأجسام إلى منطقة المريخ أو تشكلت فيها خلال المراحل المبكرة من النظام الشمسي».


فرصة ثمينة لبعثة أرتميس


كان أحد الأهداف الرئيسة للدراسة تحديد كيفية توزع المواد المقذوفة من وشاح القمر حول حوض SPA، ومعرفة ما إذا كان من الممكن الحصول على عينات منها خلال البعثات المقبلة.


أظهرت المحاكاة أن المقذوفات توزعت بنمط يشبه «الفراشة»، إذ انتشرت مواد الوشاح مسافةً تقارب 550 كيلومترًا خارج حافة الحوض في اتجاه حركة الاصطدام، ونحو 650 كيلومترًا في الاتجاه العرضي. في المقابل، لم يُعثر على أي مواد من الوشاح في الاتجاه المعاكس لمسار الاصطدام.


ولما كانت بعثة أرتميس المقبلة تخطط للهبوط في المنطقة القطبية الجنوبية للقمر قرب الحافة الجنوبية لحوض SPA، فإن الباحثين يرون أن الحصول على عينات من وشاح القمر يُعد احتمالًا كبيرًا، بشرط أن تكون نتائج محاكاتهم صحيحة.


«وفق الفرضية السابقة التي افترضت اصطدامًا من الجنوب إلى الشمال، فإن منطقة هبوط أرتميس الواقعة خارج الحافة الطبوغرافية الناتجة بعد انهيار الحوض ستكون خالية من مقذوفات وشاح القمر. أما إذا كان الاصطدام قد حدث من الشمال إلى الجنوب، فإن نماذجنا تتوقع أن تهبط مهمة أرتميس3 في منطقة تقع ضمن اتجاه المقذوفات الناتجة من الاصطدام، إذا كان تفسيرنا للمسار الجنوبي صحيحًا. وفي هذه الحالة، قد تهبط المهمة داخل ترسبات تحتوي على مواد من وشاح القمر اقتُلعت في أثناء تشكل حوض SPA».


أشار الباحثون إلى أن دقة الدراسة، رغم ارتفاعها مقارنةً بالنماذج ثلاثية الأبعاد الأخرى، قد لا تزال غير كافية لرصد بعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة بتشوه القشرة وتوزيع المقذوفات. مع ذلك، فإن العينات التي ستجمعها بعثات أرتميس خلال السنوات القادمة قد تختبر هذه التوقعات مباشرةً، وقد تساعد على تحديد عمر حوض SPA والكشف عن التركيب الحقيقي لوشاح القمر.




المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة