اكتشاف طريقة جديدة قد تساعد في العثور على حياة فضائية!
كشف علماء عن طريقة جديدة قد تساعد في العثور على حياة خارج الأرض، تقوم على فكرة أن المهم ليس فقط وجود البصمات الحيوية، بل أيضًا الطريقة التي تنتظم بها هذه البصمات. والمثير أن مركبة يوروبا كليبر التابعة لناسا قد تمتلك بالفعل الأداة القادرة على تطبيق هذه الفكرة.
قال فابيان كلينر، الباحث في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد: قد تساعد مقاربتنا على جعل البحث عن الحياة أكفأ. فإذا أظهر تجمع جزيئي ما غيابًا للتنظيم الشبيه بالحياة، فقد يصبح هدفًا أقل أولوية في عمليات البحث.
ولفهم الفكرة بصورة أوضح، يجب أولًا الإشارة إلى أن الكائنات الحية تستخدم وتنتج مجموعة واسعة من المواد الحيوية المهمة، مثل الأحماض الأمينية، والببتيدات، والبروتينات، والأحماض الدهنية وغيرها. ولهذا تُعد هذه المركبات بصمات حيوية محتملة؛ إذ إن العثور عليها في عالم آخر قد يعني أنها نتجت عن عمليات حيوية، على الأقل وفقًا لما نعرفه عن الحياة.
لكن المشكلة تكمن في أن هذه المركبات ليست حكرًا على الكائنات الحية، إذ يمكن أيضًا أن تنتج عن تفاعلات كيميائية غير حيوية لا علاقة لها بالأحياء. ويُعد التمييز بين المصدرين أحد أكبر التحديات في علم الأحياء الفلكي. مثلًا، قد تكون انبعاثات الميثان على المريخ ذات أصل بيولوجي، وقد تكون جيولوجية أيضًا. وينطبق الغموض نفسه على رصد غاز الفوسفين في غلاف الزهرة، أو احتمال اكتشاف ثنائي ميثيل الكبريتيد في الغلاف الجوي للكوكب الخارجي كيه 2-18 بي.
هذا ما يجعل مجرد اكتشاف بصمات حيوية غير كافٍ لإثبات وجود الحياة. أظهر الفريق وجود طريقة قد تساعد في التمييز بين المصادر البيولوجية وغير البيولوجية لهذه المركبات.
واعتمد الباحثون على مفهوم مستخدم في علم البيئة، حيث تُقاس الحياة وفق معيارين أساسيين: التنوع، ومدى انتظام التوزيع.
ركزت الدراسة على نوعين من المركبات الحيوية هما الأحماض الأمينية والأحماض الدهنية. فالأحماض الأمينية ترتبط معًا لتكوين سلاسل تُعرف بالببتيدات، التي تشكل البروتينات المسؤولة عن معظم الوظائف داخل الخلايا الحية. أما الأحماض الدهنية فتدخل في تكوين البنية الأساسية للخلايا. وكلا النوعين يتكون بفعل العمليات الحيوية أو التفاعلات غير الحية.
قال كلينر: اخترنا الأحماض الأمينية والأحماض الدهنية لأنها من المكونات الجوهرية للحياة كما نعرفها، ولأن هناك قواعد بيانات مناسبة لدراستها.
اعتمد الفريق على نحو مئة مجموعة بيانات شملت عينات من كويكبات، ونيازك، وأحافير، وكائنات دقيقة، وتربة، إضافة إلى عينات صناعية من المختبرات.
أظهرت النتائج أن الأحماض الأمينية تكون أكثر تنوعًا وأكثر انتظامًا في توزيعها عندما تنتجها الكائنات الحية مقارنة بتلك الناتجة عن العمليات غير الحيوية. أما في حالة الأحماض الدهنية فجاءت النتيجة معاكسة، إذ تكون أقل تنوعًا وأقل انتظامًا عندما يكون مصدرها بيولوجيًا.
رغم أهمية النتائج، شدد الباحثون على أن هذه الطريقة ليست وسيلة قاطعة لإثبات وجود الحياة. فهي حتى الآن أظهرت فعاليتها فقط مع الأحماض الأمينية والأحماض الدهنية.
قال كلينر: من حيث المبدأ، قد توجد أنماط تنظيمية مشابهة لدى أنواع أخرى من الجزيئات، لكن هذا الأمر لا يزال بحاجة إلى اختبار.
أشار إلى أن تحليل التنوع والتوزيع يحتاج إلى وضعه ضمن سياق كيميائي أوسع، لأن الحكم على درجة التنوع أو الانتظام لا يتم بمعزل عن بقية الجزيئات الموجودة. لهذا لا يمكن تطبيق الطريقة حاليًا على اكتشاف ثنائي ميثيل الكبريتيد في الكوكب كيه 2-18 بي، إذ لا تتوفر معلومات كافية عن الغلاف الجوي لذلك العالم البعيد.
وأضاف: في حالة جزيء منفرد مثل ثنائي ميثيل الكبريتيد، يختلف الأمر. فنحن بحاجة إلى قائمة أوسع من الجزيئات المرتبطة به حتى نستطيع إجراء هذا النوع من التحليل.
لكن هذه التقنية قد تكون أكثر فائدة داخل نظامنا الشمسي، حيث تتوفر عينات وبيانات أكثر تفصيلًا. ومن أبرز مزايا الدراسة أن الأنماط التنظيمية تبقى قابلة للرصد حتى بعد تعرض العينات البيولوجية للتلف عبر الزمن. مثلًا، احتفظت بيضات ديناصورات متحجرة بآثار تدل على تنوع وتوزيع الأحماض الأمينية والدهنية.
قد يكون لذلك أهمية خاصة في دراسة المريخ، حيث يسعى العلماء إلى العثور على أدلة لحياة قديمة تعود إلى مليارات السنين، عندما كان الكوكب أكثر دفئًا ورطوبة.
قال كلينر: العينات البيولوجية لا تفقد معناها بالكامل فور تعرضها للتحلل. فبعض المعلومات التنظيمية قد يبقى محفوظًا، ما يجعل هذه المقاربة مفيدة في دراسة المريخ القديم.
مع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه التقنية وحدها لا تكفي لإثبات وجود حياة خارج الأرض، لأن مثل هذا الاكتشاف سيحتاج إلى أدلة متعددة ومتقاطعة قبل إعلان أي نتيجة نهائية. لكنها قد تساعد العلماء على تحديد أفضل الأماكن التي تستحق البحث.
من بين تلك الأماكن قمر يوروبا التابع لكوكب المشتري، الذي يُعتقد أنه يخفي محيطًا عالميًا من المياه تحت قشرة جليدية سميكة. ولا يزال العلماء مختلفين حول ما إذا كان ذلك المحيط قادرًا على دعم الحياة أم لا. وبينما لن تتمكن مهمة يوروبا كليبر التابعة لناسا، المتجهة حاليًا إلى المشتري والمقرر وصولها عام 2031، من اختراق الجليد، فإنها ستتمكن من دراسة مناطق يُحتمل أن تكون مياه المحيط قد اندفعت منها إلى السطح.
أوضح كلينر أن أحد أجهزة المركبة، وهو محلل غبار السطح، سيكون قادرًا على قياس نسب الجزيئات العضوية الموجودة في حبيبات الجليد المتطايرة من سطح يوروبا.
أضاف: إذا جرى اكتشاف مجموعات من الجزيئات العضوية، فإن مقاربتنا القائمة على التنوع ستساعد على تحديد ما إذا كانت هذه الجزيئات أقرب إلى الكيمياء غير الحيوية أم إلى تنظيم بيولوجي يشبه الحياة.
المصادر:
الكاتب
لور عماد خليل
