الأصول الغامضة للقمر: لغز علمي مستمر

12 يوليو 2026
16 مشاهدة
0 اعجاب

الأصول الغامضة للقمر: لغز علمي مستمر



بعد مرور نصف قرن على إقلاع مركبة الهبوط على القمر التابعة لبعثة أبولو 17 من الربع الشمالي الشرقي للجانب القريب من القمر، لا يزال علماء الكواكب عاجزين عن الفهم الكامل لتوقيت تشكّل قمرنا وكيفية حدوث ذلك أول مرة.


مع ذلك، يتفق العلماء على أن الأمر تضمن تصادمًا هائلًا مع جرم غامض أطلق عليه علماء القمر اسم ثيا، يُرجَّح أنه اصطدم بالأرض قبل ما يقارب 4.51 مليار سنة. غير أن الحجم التقديري لثيا يتراوح الآن بين جرم أولي بحجم كوكب عطارد، وصولًا إلى جرم يبلغ حجمه نحو نصف حجم كوكب الأرض الحالي. في الواقع، تشير أحدث النماذج الهيدروديناميكية إلى أن وجود جرم اصطدامي أكبر حجمًا يوفر التفسير الأكثر إقناعًا وقبولًا، إذ إن عينات الصخور القمرية التي جلبتها بعثة أبولو تبدو متطابقة كيميائيًا مع ما نجده هنا على الأرض في الصخور البركانية البازلتية الغنية بمعدن الأوليفين.


تأثرت الأرض بشدة بهذا الاصطدام الهائل. إذ إنه أعاد ضبط تاريخ كوكبنا بالكامل، وفقًا لما أوضحه ويم فان ويسترينن، عالم القمر والكواكب بجامعة فريي في أمستردام. في إثر ذلك الاصطدام العملاق، لم يكن القمر في البداية سوى كرة متوهجة من الصهارة تصل حرارتها إلى آلاف الدرجات المئوية: «لم يكن جرمًا صخريًا بعد، لذا تعين عليه أن يبرد أولًا قبل أن تتشكل المعادن التي حاولنا تحديد تاريخها. والسؤال الحقيقي هنا هو: كم من الوقت استغرق تشكل تلك المعادن بعد الاصطدام؟»، يعترف فان ويسترينن، فإن تحديد ذلك بدقة يُعد أمرًا بالغ الصعوبة.


مع ذلك، لا يزال علماء القمر يتعلمون الكثير من عينات الصخور التي جمعتها بعثة أبولو. وتُعد صخرة التكوين. وهي صخرة يبلغ عمرها 4.46 مليار سنة جمعها رواد فضاء بعثة أبولو 15 عام 1971، واحدة من أشهر عينات أبولو على الإطلاق. إذ تتكون بالكامل تقريبًا من معدن البلاجيوكلاز الأبيض، الذي يميل إلى الطفو فوق سطح الصهارة نظرًا لخفته الفائقة. يشرح فان ويسترينن: «أنت بحاجة إلى كمية هائلة من الصهارة لإنتاج هذا القدر الكبير من المادة البيضاء، التي تعين عليها بعد ذلك الطفو بأكملها نحو الأعلى لتستقر الآن على السطح حيث وجدناها. هذا هو التفسير الأفضل لتشكل هذه الصخور البيضاء، يشمل ذلك صخرة التكوين». 


أما اللون الأبيض لمعدن البلاجيوكلاز الذي نراه بوضوح عند النظر إلى القمر، فيعود إلى انعكاس الضوء على بلوراته: «إن حقيقة امتلاكنا لجرم كامل مغطى بالبلاجيوكلاز تشير إلى أننا ننظر في الواقع إلى سقف كتلة قديمة وهائلة من الصهارة». 


يتخصص مختبر فان ويسترينن في محاكاة ضغوط هائلة ودرجات حرارة مرتفعة للغاية لتحليل وإعادة تهيئة الظروف التي كانت سائدة في عمق القمر قديمًا، على أمل معرفة المزيد عن التطور الجيولوجي للقمر. يتابع فان ويسترينن: «كان مختبرنا السبّاق في تقديم دراسة تجريبية كاملة لما يحدث عندما يتصلب محيط عميق من الصهارة على القمر، وما هي المعادن التي تتشكل وعند أي نقطة زمنية تحددًا. نعتقد أن القمر بأكمله كان في الواقع منصهرًا. إذ امتد بحر الصهارة هذا إلى عمق 1700 كيلومتر وصولًا إلى المركز».


في المختبر، يستخدم فان ويسترينن وزملاؤه التسخين بالمقاومة لتمرير تيار كهربائي عبر الغرافيت لتسخين بضعة مليمترات مكعبة من المادة إلى درجات حرارة تتجاوز 1700 درجة مئوية، وهي حرارة تعادل خمسة أضعاف حرارة الفرن التقليدي.

ويستطيع المختبر توليد ضغوط تصل إلى 250,000 ضعف ضغط الغلاف الجوي للأرض. في المقابل، يُعتقد أن أقصى ضغط داخلي للقمر يبلغ 50,000 ضغط جوي، ما يتيح للباحثين السفر افتراضيًا إلى مركز القمر داخل المختبر.


مع ذلك، فإن إحدى المشكلات الأساسية في فهم تشكل نظام الأرض والقمر هي أنه على الرغم من نجاح عمليات المحاكاة الرقمية الهيدروديناميكية في إعادة إنتاج الخصائص الفيزيائية الحالية لنظام الأرض والقمر، فإنها تخفق في مطابقة التركيب الكيميائي للأجرام المعروفة. يقول فان ويسترينن: «تتوقع جميع عمليات المحاكاة الكلاسيكية أنه ينبغي للقمر أن يمتلك تركيبًا كيميائيًا مختلفًا تمامًا عما نرصده. فالصخور القمرية تشبه صخور الأرض بدرجة أكبر بكثير مما ينبغي لها». 




المصادر:


الكاتب

رؤيا عبد الودود عبد العزيز

رؤيا عبد الودود عبد العزيز
تدقيق

مؤمن محمد حلمي

مؤمن محمد حلمي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة