الثقوب الدودية قد لا تكون موجودة، لكنها تكشف حقيقة أعمق عن الزمن والكون!
غالبًا ما تُصور الثقوب الدودية أنها أنفاق عبر الفضاء أو الزمن -أي اختصارات عبر الكون- غير أن هذا التصور يقوم على سوء فهم لأعمال الفيزيائيين ألبرت آينشتاين وناثان روزن.
عام 1935، في أثناء دراستهما لسلوك الجسيمات في مناطق الجاذبية الشديدة، قدم آينشتاين وروزن ما أسمياه «جسرًا»، وهو رابط رياضي بين نسختين متماثلتين تمامًا من الزمكان، لم يكن هذا الجسر مصممًا ليكون ممرًا للسفر، بل وسيلةً للحفاظ على الاتساق بين الجاذبية والفيزياء الكمومية، لم يربط جسر آينشتاين–روزن بالثقوب الدودية إلا لاحقًا، رغم أن ذلك الارتباط لا يمت بصلة وثيقة إلى الفكرة الأصلية.
في بحث جديد نُشر في مجلة Classical and Quantum Gravity، تبين للباحثين أن جسر آينشتاين-روزن الأصلي يشير إلى أمر أغرب وأعمق بكثير من ثقب دودي.
المشكلة التي كان آينشتاين وروزن يتعاملان معها لم تكن تتعلق بالسفر عبر الفضاء، بل بكيفية سلوك الحقول الكمومية في زمكان منحن، وعند تفسير الجسر على هذا الأساس، يعمل جسر آينشتاين-روزن مرآةً في الزمكان، أي صلةً بين سهمين مجهريين للزمن.
تحكم نظرية ميكانيكا الكم الطبيعة عند أصغر المقاييس دون الذرية مثل الجسيمات، وفي حين تنطبق نظرية النسبية العامة لآينشتاين على الجاذبية والزمكان، يظل التوفيق بين هاتين النظريتين أحد أهم التحديات في الفيزياء، والمثير أن إعادة تفسيرنا قد توفر طريقةً لتحقيق ذلك.
إرث أسيء فهمه
ظهر تفسير «الثقب الدودي» بعد عقود من عمل آينشتاين وروزن، عندما بدأ الفيزيائيون يتكهنون بإمكانية العبور من جانب إلى آخر من الزمكان، لا سيما في أبحاث أواخر ثمانينيات القرن العشرين.
لكن تلك التحليلات نفسها أوضحت مدى كون الفكرة افتراضية، إذ تحرم النسبية العامة مثل هذا العبور، فالجسر ينغلق أسرع مما يمكن للضوء أن يعبره، ما يجعله غير قابل للاجتياز، على هذا فإن جسور آينشتاين-روزن غير مستقرة وغير قابلة للرصد، وهي بنى رياضية لا بوابات.
مع ذلك شاع مفهوم الثقب الدودي في الثقافة الشعبية وفي فرضيات الفيزياء النظرية، فكانت الفكرة القائلة بأن الثقوب السوداء قد تربط مناطق متباعدةً من الكون أو تعمل آلات زمن، مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الأبحاث والكتب والأفلام.
مع ذلك لا يوجد أي دليل رصدي على وجود ثقوب دودية كبيرة الحجم، ولا سبب نظري مقنع للتنبؤ بها ضمن نظرية آينشتاين، رغم اقتراح فرضيات فيزيائية مثل أشكال غريبة من المادة أو تعديلات على النسبية العامة لدعم هذه البنى، فإنها ما تزال غير مختبرة عمليًا ونظريةً بشكل بحت.
سهمان للزمن
تعيد هذه الدراسة الحديثة البحث في لغز جسر آينشتاين-روزن باستخدام فهم كمومي حديث، استنادًا إلى أفكار طورها سرافان كومار وجواو مارتو.
معظم القوانين الأساسية في الفيزياء لا تميز بين الماضي والمستقبل، ولا بين اليمين واليسار، ولو عكس الزمن أو المكان في معادلاتها لبقيت القوانين صحيحةً، وأخذ هذه التناظرات على محمل الجد يقود إلى تفسير خاطئ لجسر آينشتاين-روزن.
فبدلًا من كونه نفقًا عبر الفضاء، يمكن فهمه بوصفه مكونين متكاملين لحالة كمومية واحدة: في أحدهما يتدفق الزمن إلى الأمام، وفي الآخر يتدفق إلى الخلف، منظورين متعاكسين للمرآة.
هذا التناظر ليس من منظور فلسفي، فبعد استبعاد اللانهايات، يجب أن يبقى التطور الكمومي كاملًا وقابلًا للعكس على المستوى دون الذري الكمي، حتى في وجود الجاذبية.
يعبر الجسر عن حقيقة أن كلا مركبي الزمن ضروريان لوصف نظام فيزيائي كامل، وفي الظروف العادية يتجاهل الفيزيائيون المركب المعكوس زمنيًا باختيار سهم واحد للزمن.
لكن قرب الثقوب السوداء أو في الأكوان التي تتوسع وتنكمش، يجب تضمين الاتجاهين معًا من أجل وصف كمومي متسق، وهنا تتجسد فكرة جسور آينشتاين-روزن طبيعيًا.
حل مفارقة المعلومات
على المستوى دون الذري الكمي يسمح الجسر بمرور المعلومات عبر أفق حدث ، أي نقطة اللاعودة، فلا تختفي المعلومات، بل تواصل تطورها، لكن على طول الاتجاه الزمني المعاكس.
يقدم هذا الإطار حلًا طبيعيًا لمفارقة معلومات الثقب الأسود الشهيرة، ففي عام 1974 بيّن ستيفن هوكينغ أن الثقوب السوداء تشع حرارةً ويمكن أن تتبخر في نهاية المطاف، ما يعني أنها تمحو كل المعلومات عما سقط فيها، وهو ما يناقض المبدأ الكمومي القائل بحفظ المعلومات.
لا تنشأ المفارقة إلا إذا أصررنا على وصف أفق الحدث باستخدام سهم واحد للزمن ممتد إلى اللانهاية، وهو افتراض غير ضروري في ميكانيكا الكم.
إذا تضمن الوصف الكمومي الكامل كلا اتجاهي الزمن فلن يضيع شيء حقًا، إذ تغادر المعلومات اتجاه زمننا وتعاود الظهور على طول الاتجاه المعكوس، مع الحفاظ على الاكتمال والسببية دون اللجوء إلى فيزياء غريبة جديدة.
تصعب هذه الأفكار على الفهم لأننا كائنات ماكروسكوبية نختبر اتجاهًا واحدًا فقط للزمن، فعلى المقاييس اليومية فإن الفوضى أو الإنتروبي تميل إلى الازدياد، إذ تتطور الحالة عالية الانتظام طبيعيًا إلى حالة أقل انتظامًا ولا يحدث العكس أبدًا، ما يمنح الزمن سهمه.
لكن ميكانيكا الكم تسمح بسلوك أدق، ومن اللافت أن ثم أدلة على وجود هذه البنية الخفية. قد تكون موجودة بالفعل، إذ تظهر الخلفية الكونية الميكروية -التوهج المتبقي من الانفجار العظيم- ليس تماثلًا طفيفًا لكنه مستمر، أي تفضيلًا لاتجاه مكاني معين على صورته المرآتية .
حيرت هذه الشذوذات علماء الكونيات على مدى عقدين، إذ تمنحها النماذج القياسية احتمالًا ضئيلًا للغاية، إلا إذا أدرجت المركبات الكمومية المرآتية.
كوننا صدى لكون سابق
يرتبط هذا التصور باحتمال أعمق، أن ما نسميه «الانفجار العظيم» قد لا يكون بدايةً مطلقةً بل ارتدادًا، أي انتقالًا كموميًا بين مرحلتين متعاكستين زمنيًا من تطور الكون.
في مثل هذا السيناريو قد تعمل الثقوب السوداء جسورًا، ليس فقط بين اتجاهي الزمن، بل بين حقب كونية مختلفة، وقد يكون كوننا داخل ثقب أسود تشكل في كون سابق آخر.
قد ينشأ ذلك عندما تنهار منطقة مغلقة من الزمكان ثم ترتد وتبدأ بالتمدد بوصفها الكون الذي نرصده اليوم.
إذا كان هذا التصور صحيحًا فإنه يقدم أيضًا وسيلةً للاختبار والرصد، إذ يمكن لبقايا من مرحلة ما قبل الارتداد -مثل ثقوب سوداء أصغر- أن تنجو من الانتقال وتظهر مجددًا في كوننا المتمدد، وقد يكون بعض ما ننسبه إلى المادة المظلمة مكونًا من مثل هذه البقايا.
وفق هذا المنظور يتطور الانفجار العظيم من ظروف سابقة لانكماش كوني، ولا تعود الثقوب الدودية ضروريةًً فالجسر زمني لا مكاني، ويغدو الانفجار العظيم بوابةً لا نقطة بداية.
لا تقدم إعادة تفسير جسور آينشتاين-روزن اختصارات بين المجرات ولا سفرًا عبر الزمن ولا ثقوبًا دوديةً خياليةً، لكنها تقدم أمرًا أعمق بكثير، إذ توفر صورةً كموميةً متسقةً للجاذبية، يكون فيها الزمكان تجسيدًا لتوازن بين اتجاهي الزمن، ويكون لكوننا تاريخ سابق للانفجار العظيم.
وهي لا تناقض نسبية آينشتاين ولا الفيزياء الكمومية بل تكملهما، وقد لا تأخذنا الثورة القادمة في الفيزياء أسرع من الضوء، لكنها قد تكشف أن الزمن يتدفق في كلا الاتجاهين على مستويات صغيرة دون ذرية ، وفي كون مرتد.