الجليد الأسود الساخن قد يكون مسؤولًا عن المغناطيسية الفوضوية لكوكب نبتون!
تكون كل من درجات الحرارة والضغط شديدة التطرف داخل نوى الكواكب الجليدية العملاقة، إلى حد أن الماء على هذه الكواكب ينتقل إلى حالة غير مألوفة كليًا على كوكب الأرض تحت الظروف الطبيعية لدرجة الحرارة والضغط. تُعرف هذه الحالة باسم الماء فائق التأين، وهي شكل من أشكال الجليد، لكن مختلفة عن الجليد الاعتيادي، إذ يكون الماء في هذه الحالة ساخنًا، وذا لون أسود كذلك.
ظن العلماء لعقود من الزمن أن هذا الماء فائق التأين الموجود في نواتي نبتون وأورانوس هو المسؤول عن المجالات المغناطيسية الجامحة وغير المنتظمة التي رصدتها مركبة فوياجر 2 عندما مرت بالقرب من الكوكبين.
قدمت سلسلة من التجارب التي وُصفت في ورقة بحثية نشرها ليون أندريا مباريا ريجاونا في مجلة Nature Communications، دليلًا تجريبيًا يفسر سبب توليد الجليد تحديدًا لهذه المجالات المغناطيسية الغريبة، إذ إن الأمر أعقد مما كان أي شخص يتوقع.
يُلقن معظم التلاميذ في المدرسة أن المادة تكون في أربع حالات: الصلبة والسائلة والغازية إضافةً إلى حالة البلازما، لكن يمكن للماء أن يكون أيضًا في حالة فائقة التأين عند درجات عالية جدًا من الحرارة والضغط، ومع أن هذه الحالة تُشبه ظاهريًا الحالة الصلبة، إلا أنها في الحقيقة نوع من الشبكات البلورية. تُكون ذرات الأكسجين أساس هذه الشبكة، في حين تنساب ذرات الهيدروجين بحُرية عبرها، موصلةً الكهرباء في أثناء حركتها.
لطالما افترض العلماء أن شبكة ذرات الأكسجين في حالة الماء فائق التأين تُشكل بلورة مثالية، إذ تتبلور ذرات الأكسجين إما في تنسيق يُعرف باسم البنية التكعيبية مركزية الجسم، وهو تنسيق تتموضع فيه ثمانية ذرات في رؤوس المكعب وواحدة في مركزه، أو في تنسيق آخر يُعرف بالبنية التكعيبية مركزية الوجوه، تحتل فيه ثمانية ذرات دائمًا رؤوس المكعب وتشغل ستة أخرى مراكز وجوه المكعب في حين يبقى مركزه فارغًا.
لكن لم تتوافق هاتين البنيتين البلوريتين مع المجال المغناطيسي الفوضوي الذي رصدته مركبة فوياجر 2 عندما مرت بالقرب من الكوكبين الجليديين العملاقين. من ثم خلص العلماء إلى أنهم في حاجة لإخضاع حالة الماء الفريدة هذه إلى الاختبار التجريبي، للتحقق من صحة نظرية الشبكة البلورية. يجب عليهم أولًا تحضير الماء فائق التأين، وهي مهمة بالغة الصعوبة، إذ إن هذه الحالة توجد فقط عند درجات عالية من الحرارة والضغط، وسرعان ما تنقلب إلى حالات أخرى أكثر استقرارًا إذا انخفض أي من هذين العاملين.
يقتضي الوصول إلى درجات الضغط العالية المطلوبة أداةً خاصة تُعرف باسم «سندان الماس»، أو بالأحرى اثنين منها. إذ تمكن الباحثون، بدفع عينة من الماء بين سندانين مصنوعين من أصلب مادة في الكون، من رفع الضغط إلى 1.8 مليون درجة ضغط جوي، ثم عرضوا العينة لومضات ضوئية باستخدام أشعة الليزر، لرفع درجة حرارتها إلى 2500 درجة على مقياس كلفن. وبهذا نجح الباحثون في إنشاء عينة من الماء فائق التأين.
لكن سرعان ما بدأت البنية البلورية للماء فائق التأين بالتفكك عند خفض الضغط أو درجة الحرارة. لذلك، سلطوا حزمةً من الأشعة السينية على العينة في غضون بضعة تريليونات من الثانية فقط بعد بلوغ تلك الظروف.
يُعد حيود الأشعة السينية ممارسةً شائعة في مجال دراسة البنيات البلورية، فهي تُقدم طريقةً لالتقاط صور عالية السرعة لمواقع الذرات. لكن عندما حلل الباحثون البيانات التي حصلوا عليها، وجدوا أنها لا تتفق مع النتائج التي توقعتها النظرية، فقد ظهرت الشبكة البلورية في الصور المُلتقطة مزيجًا من الخطوط الضبابية، إذ كانت طبقات مختلفة منها ذات بنية تكعيبية مركزية الوجوه، في حين كانت طبقات أخرى ذات بنية مختلفة كليًا تُعرف بالبنية السداسية المتراصة.
عندما أجرى الباحثون التجربة لأول مرة بكاليفورنيا، كانت هذه النتائج المضطربة مربكةً جدًا إلى درجة أنهم عزوها إلى خطأ الناتج من عوامل خارجية، ما دفعهم إلى الاستعانة بمسارع خطي آخر من ألمانيا لاستبعاد هذا المصدر المحتمل للتشويش.
عندما جاءت النتائج مطابقةً لما حصلوا عليه، أدركوا أن نتائجهم كانت تصف بالفعل الحقيقة المركبة، لا مجرد أثر ناتج من محيط التجربة.
لاحظ الباحثون أيضًا، عند استمرارهم في إجراء التجربة تحت درجات مختلفة للحرارة والضغط، ظهور بعض الشبكات البلورية المتداخلة مع ازدياد الضغط، ما يتعارض مع النظرية التي تفترض وجود خط فاصل واضح تنتقل عنده الشبكة البلورية من بنية إلى أخرى.
نستنتج أن الماء فائق التأين مادة معقدة للغاية. هذه التعقيدات تساعد على تفسير ما قد يحدث في المجالات المغناطيسية غير المنتظمة لكوكبي نبتون وأورانوس، لتوضيح هذا الأمر، لا يمكن اعتبار تجربة توجد فيها هذه المواد لبضع أجزاء من الثانية، محاكاةً مثالية لأعماق الكواكب الجليدية العملاقة. فربما قد تستقر البنية البلورية مع مرور الزمن في نمط أصلب، أو قد يستمر ذلك الاضطراب الذي رصدته التجارب بطرق عشوائية في أنحاء الكوكبين.
إن حقيقة تشكيل هذا النوع من الماء لأعماق الكواكب الجليدية العملاقة تعني أن هذا الجليد الأسود، مع أننا لن نراه طبيعيًا على كوكب الأرض، قد يكون في الواقع أكثر أنواع الماء وفرةً في المجرة.
تُشكل الكواكب الجليدية العملاقة نسبةً كبيرة من الكواكب المعروفة خارج المجموعة الشمسية، لكن قد يكون ذلك راجعًا ببساطة لكل من حجم هذه الكواكب ومداراتها التي يسهل رصدها باستخدام طرق البحث الحالية، وليس بالضرورة لكونها تمثل بالفعل نسبةً كبيرة من كل الكواكب الخارجية الموجودة. وفي كل الأحوال، تبقى معرفة أن الماء، المادة الضرورية للحياة على الأرض، لها هذا العدد الكبير من التنويعات في عدد كبير من الأماكن المختلفة، تُعد حقيقة علمية ممتعة.