كشف علمي جديد: السوائل قد تنكسر مثل الأجسام الصلبة!
في كل مرة يظن الإنسان أنه أصبح متمكنًا من فهم كيفية عمل الكون، تعود الفيزياء لتفاجئه من جديد. فقد اكتشف الباحثون أن السوائل البسيطة قد تمتلك نقاط انكسار، تتجاوزها فتتعرض لتشقق مفاجئ يشبه ما يحدث في المواد الصلبة.
يُعد هذا الاكتشاف ذا أهمية كبيرة في مجال ميكانيكا الموائع، إذ إن قدرة السوائل على الانكسار، إلى جانب قابليتها للتمدد والانسياب، تفتح آفاقًا واسعة لتطبيقات متعددة، تتراوح بين تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والأنظمة البيولوجية داخل جسم الإنسان.
جاء هذا الاكتشاف غير المتوقع على يد باحثين من جامعة دريكسل في الولايات المتحدة وشركة إكسون موبيل، في أثناء دراستهم لاستجابة السوائل اللزجة للقوى الشديدة. في البداية، ظن الباحثون أن أجهزة المختبر قد تعطلت.
تقول المهندسة الكيميائية ثاميريس ليما من جامعة دريكسل: «أحدث الكسر صوت طقطقة مرتفعًا للغاية، لدرجة أنه أفزعني بالفعل».
وأضاف الفريق أنهم أعادوا التجارب عدة مرات للتحقق من موثوقية النتائج. من جانبه، قال المهندس الكيميائي نيكولاس ألفاريز: «ما رصدناه كان غير متوقع تمامًا. فور تأكيد الظاهرة، تحول البحث إلى مسار علمي مختلف كليًا».
اعتمدت التجربة على وضع السوائل بين لوحين معدنيين، ومراقبتها باستخدام كاميرا عالية السرعة، مع تطبيق قوى متفاوتة عليها. وقد حدث أول انكسار عندما تعرض السائل لقوة تعادل تقريبًا وزن كيس من الطوب معلق على مساحة صغيرة بحجم ظفر الإصبع.
سُجل هذا السلوك أولًا في مزيج هيدروكربوني يشبه القطران، ثم لوحظت نقطة الانكسار نفسها في سائل آخر هو أوليغومر الستايرين، وهو أيضًا سائل كثيف لزج. يرجح الباحثون أن للزوجة، أي مقاومة السائل للجريان، دور أساسي في هذه الظاهرة.
يتراكم الإجهاد داخل السوائل اللزجة السميكة بطريقة تختلف عن السوائل الأقل لزوجة. تشير النتائج إلى أن السوائل الأكثر لزوجة قد تتشقق حتى عند سحبها ببطء أكبر، إلا أن مقدار القوة اللازمة لحدوث الانكسار يبدو ثابتًا تقريبًا بصرف النظر عن درجة اللزوجة.
مع أن العلماء كانوا على دراية بإمكانية تشقق السوائل في حالات معينة، مثل تبريدها إلى درجات منخفضة جدًا أو تعديل خصائصها، فإن هذا الاكتشاف يمثل ظاهرة جديدة. يرى الباحثون أن هذه الخاصية قد تنطبق على أنواع عديدة من السوائل غير التي اختبرت.
توضح ليما: «تشير نتائجنا إلى أن السائل البسيط، عند تعرضه لقوة كافية موزعة على مساحة معينة، يصل إلى ما نسميه الإجهاد الحرج، عندها قد ينكسر فعليًا كما تنكسر المواد الصلبة».
«من المرجح أن ينطبق ذلك على جميع السوائل البسيطة، يشمل ذلك أمثلة شائعة مثل الماء والزيت».
من المحاور البحثية المستقبلية المهمة فهم الآليات الفيزيائية الكامنة وراء هذه الظاهرة. لاحظ الفريق أن الشقوق في السائل تتشكل بسرعة كبيرة فور بدء الانكسار، إذ تتراوح سرعة انتشارها بين 500 و1500 متر في الثانية.
تتوافق هذه السرعات مع ظاهرة تُعرف باسم «التكهف»، وهي ظاهرة مفترضة نظريًا منذ عقود. تقوم الفرضية على أن تعرض السائل لإجهاد كافٍ يؤدي إلى تكون فقاعة فراغية صغيرة داخله، تسهم في تمزيقه.
كما أظهرت التجارب، فإن هذه العملية تحدث بسرعة فائقة، ما يجعل دراستها مباشرةً تحديًا كبيرًا. إلا أن توفر دليل تجريبي قوي يفتح المجال أمام العلماء لمزيد من البحث والتفسير.
من الجوانب التي تستحق الاستكشاف أيضًا كيفية حدوث هذه الانكسارات في سوائل أخرى، خارج الظروف المخبرية الدقيقة. أشار الباحثون إلى تطبيقات عملية محتملة، مثل الطباعة بنفث الحبر والروبوتات اللينة، إذ قد يكون لهذا الاكتشاف دور مهم.
لا تزال السوائل تكشف عن خصائص خفية وقوانين فيزيائية داخلية مع تطور الأدوات والأساليب العلمية، ما يشير إلى أن هناك الكثير من الأسرار التي لم تُكتشف بعد.
«بعد توثيق هذا السلوك غير المتوقع، فإن الخطوة التالية تتمثل في فهم أسبابه بالكامل، وكيفية ظهوره في أنواع أخرى من السوائل».
«سيكون من المثير دراسة إمكانية تطبيق هذه النتائج في مجالات مثل غزل الألياف وغيرها من التطبيقات التي تعتمد على السوائل اللزجة».