العلماء يستبعدون أسوأ سيناريو مناخي محتمل.. لكننا لسنا خارج دائرة الخطر!
فيما يتعلق بنمذجة التغير المناخي خلال العقود المقبلة، قرر العلماء استبعاد أكثر سيناريوهات انبعاثات غازات الدفيئة تشاؤمًا من قائمة الاحتمالات المعتمدة، بعد أن توصلوا إلى أنه أصبح «غير مرجح الحدوث».
ربما سبق أن صادفت هذا السيناريو المتطرف في التوقعات العلمية المتعلقة بمستقبل كوكب الأرض، سواءً في ما يخص الظواهر الجوية العنيفة، أو ارتفاع مستوى سطح البحر، أو صحة المحيطات، أو معدلات انقراض الأنواع الحية.
عندما يضع العلماء هذه النماذج المناخية، فإنهم عادةً ما يعرضون مجموعة من النتائج المحتملة استنادًا إلى عدد من السيناريوهات المختلفة، التي تعكس الطرق المتنوعة التي قد يتعامل بها البشر مع انبعاثات غازات الدفيئة في المستقبل.
مع أن هذه السيناريوهات ليست جميعها متساوية من حيث احتمال التحقق، فإنها تساعدنا على استشراف ما قد ينتظرنا، وتوفر أساسًا لاتخاذ القرارات ووضع السياسات المتعلقة بمصادر الطاقة والتقنيات التي نعتمد عليها.
فكيف استطاع العلماء استبعاد أسوأ سيناريو مناخي؟ وما المقصود أصلًا بهذه السيناريوهات المختلفة؟
عام 2011، اقترح فريق من العلماء بقيادة عالم المناخ ديتليف فان فورين إطارًا منهجيًا لمساعدة مجتمع الباحثين على دراسة الكيفية التي قد يتغير بها المناخ العالمي بين الوقت الحاضر وعام 2100.
أُطلق على هذه السيناريوهات اسم «مسارات التركيز التمثيلية»، اختصارًا RCPs.
عندما تُضاف غازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي، سواءً نتيجة استخراج الوقود الأحفوري أو حرقه، أو بسبب تدهور النظم البيئية، فإنها تتراكم تدريجيًا لتشكل طبقة عازلة تحتجز الحرارة داخل النظام المناخي للأرض.
يؤدي ذلك إلى زيادة ما يُعرف بالقسر الإشعاعي، وهو مقياس لكمية الطاقة الحرارية الإضافية المحتجزة في الغلاف الجوي، ويُعبَّر عنه بوحدة الواط لكل متر مربع.
يستند كل مسار من مسارات RCP إلى مقدار محدد من القسر الإشعاعي المتوقع أن يتراكم في الغلاف الجوي بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين.
عندما طُورت هذه المسارات لأول مرة، افترض العلماء أربعة مستويات محتملة للقسر الإشعاعي قد يصل إليها العالم بحلول عام 2100، وهي: 2.6 واط/م²، و4.5 واط/م²، و6 واط/م²، و8.5 واط/م².
استخدم العلماء هذه المسارات لمحاكاة الظروف المناخية التي قد يواجهها العالم خلال هذا القرن تبعًا لمستويات انبعاثات غازات الدفيئة المختلفة.
مثلًا توقعت النماذج المناخية في إطار سيناريو RCP 8.5 أن يرتفع متوسط درجة حرارة الأرض العالمية بما يصل إلى 4.8 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول عام 2100.
عام 2021 دمجت المنظمة الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) هذه المسارات ضمن مجموعة جديدة من السيناريوهات تُعرف باسم «المسارات الاجتماعية والاقتصادية المشتركة» (SSPs)، لإدخال عوامل التنمية الاجتماعية والاقتصادية في النماذج وجعلها أكثر واقعية.
من هنا ظهر السيناريو SSP5-8.5 الذي يفترض تحقيق التنمية العالمية بالاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى مستويات مرتفعة للغاية من انبعاثات غازات الدفيئة ترفع القسر الإشعاعي إلى 8.5 واط/م² بحلول نهاية القرن.
بعد خمسة عشر عامًا من طرح مسارات RCP لأول مرة، نشر فان فورين ومجموعة واسعة من علماء المناخ من مختلف أنحاء العالم دراسة خلصت إلى أن السيناريو الأعلى من حيث القسر الإشعاعي، أي SSP5-8.5 -وكذلك RCP 8.5 الأصلي- أصبح «غير مرجح الحدوث».
كان عالم المناخ أندرو كينغ من جامعة ملبورن الأسترالية هو أحد الباحثين المشاركين في هذه الدراسة. يؤكد كينغ أنه يوجد سبب وجيه لاستبعاد سيناريو RCP 8.5، وأن الأمر لا يعود إلى أن العلماء كانوا مخطئين بشأن التغير المناخي.
«إن استبعاد هذا السيناريو عالي الانبعاثات لا يُعد، كما ادعى ترامب وبعض المشككين في التغير المناخي، دليلًا على فشل النماذج المناخية أو على أن التغير المناخي كان مجرد خدعة».
«مع أن جهودنا لمواجهة التغير المناخي كانت في كثير من الأحيان بطيئة وغير مكتملة، فإنها أحدثت أثرًا ملموسًا بالفعل. لقد نجحنا في تجنب أسوأ مستقبل مناخي كان يُعتقد يومًا أنه ممكن».
يعني ذلك أن سيناريو RCP 8.5 لن يكون ضمن السيناريوهات المعتمدة في التقرير التقييمي السابع القادم للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
في رأي بعض الخبراء، فإن استبعاد هذا السيناريو لا يُعد أمرًا مفاجئًا.
فحتى عند تطويره لأول مرة كان RCP 8.5 يمثل الحد الأعلى لنطاق السيناريوهات المرجعية المتاحة آنذاك للباحثين، أي ما يعادل تقريبًا شريحة 90% من توزيع الاحتمالات.
يشير الصحفي المتخصص في شؤون المناخ زيك هاوسفاذر، إلى جانب عالمي المناخ غلين بيترز وبييرس فورستر، إلى أن هذا السيناريو لم يكن يومًا النتيجة الأكثر ترجيحًا حتى في عالم لا يتخذ أي إجراءات لمواجهة التغير المناخي، بل صُمم أساسًا ليجسد أسوأ الاحتمالات الممكنة، إذ يستمر التوسع في استخدام الوقود الأحفوري إلى أقصى الحدود.
يُظهر استبعاد RCP 8.5 وSSP5-8.5 حجم التقدم الذي أحرزه العالم في خفض الانبعاثات بفضل الانتشار المتزايد لتقنيات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية وتقنيات البطاريات.
إلا أن ذلك لا يعني أن البشرية أصبحت بمنأى عن خطر الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري والتي تؤدي إلى تفاقم التغير المناخي العالمي، فالأمر لا يزال بعيدًا عن ذلك.
وفقًا للدراسة الجديدة، فإن الطرف الأعلى من نطاق الانبعاثات المستقبلية ما زال يتضمن سيناريوهين افتراضيين: أحدهما يفترض أن العالم يبذل «قدرًا ضئيلًا جدًا من الجهد لمكافحة التغير المناخي» طوال هذا القرن وما بعده، والآخر يفترض تأجيل الإجراءات الجادة حتى النصف الثاني من القرن.
لا تزال هذه السيناريوهات تنطوي على مستويات خطيرة، وربما كارثية، من الاحترار العالمي قد تصل إلى نحو 3.5 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول نهاية القرن، وهي تفترض تباطؤًا كبيرًا في الاتجاهات الحالية التي تشهد توسعًا سريعًا في استخدام الطاقة المتجددة.
يشرح الباحثون أن الانخفاض السريع في تكاليف الطاقة النظيفة أدى إلى خفض مسار الانبعاثات المستقبلية، وأن السيناريوهات الجديدة المصممة لتعكس السياسات الحالية تُظهر مستويات انبعاثات أقل بكثير من معظم السيناريوهات المرجعية المستخدمة سابقًا في الأدبيات العلمية.
ويضيفون أن القرن الحادي والعشرين لم يعد مرشحًا وفق المعطيات الحالية، لأن يشهد استمرارًا في التوسع العالمي لاستخدام الوقود الأحفوري، إذ تشير السيناريوهات المبنية على السياسات الحالية إلى استقرار نسبي للانبعاثات العالمية خلال العقود المقبلة.
قد يكون مفهوم «العمل كالمعتاد» قد تغير بالفعل، لكن الحاجة إلى اتخاذ إجراءات فعالة لمواجهة التغير المناخي لا تزال بالقدر نفسه من الإلحاح.