العلم يدحض النظرية القائلة بأن الأشجار تستطيع التنبؤ بالكسوف الشمسي!

31 مارس 2026
19 مشاهدة
0 اعجاب

العلم يدحض النظرية القائلة بأن الأشجار تستطيع التنبؤ بالكسوف الشمسي!


 

العام الماضي، نُشرت دراسة تناولت السلوك الكهربائي للأشجار في أثناء كسوف الشمس، وبدت نتائجها بالغة الأهمية، بافتراض أنها صحيحة. إذ زعم الباحثون أنهم رصدوا تزامنًا في النشاط الكهربائي بين ثلاث أشجار تنوب خلال كسوف شمسي جزئي وقع في أكتوبر عام 2022.


رغم نشر الدراسة في مجلة علمية مرموقة، فإن النشر ليس سوى بداية مسار المراجعة العلمية الحقيقية، إذ أظهر تقييم لاحق من مختصين وجود مشكلات جوهرية في هذه الادعاءات.


خلال السنوات الأخيرة، أثارت تقارير عن التواصل الكهربائي بين النباتات والفطريات داخل الغابات اهتمام واسع، لا سيما عبر الإنترنت، إذ شاع وصف هذه الظاهرة بما يسمى شبكة الغابة الواسعة.


لا تزال هذه الادعاءات موضع جدل، إذ أنكر بعض العلماء وجود الظاهرة أصلًا، في حين يرى آخرون أن هناك ظواهر حقيقية جرى تضخيمها بما يتجاوز ما تدعمه الأدلة العلمية.


قد تكون دراسة العام الماضي أكثر هذه الادعاءات جرأة مما نُشر في مجلة علمية حول التواصل بين الأشجار. فإلى جانب الادعاء بأن الإشارات الكهربائية بين الأشجار ازدادت وتزامنت استجابةً لكسوف الشمس، ذهب الباحثون، بقيادة الدكتور أليساندرو كيوليريو، إلى أبعد من ذلك، إذ عرضوا بيانات توحي بأن هذا النشاط الكهربائي تصاعد قبل بدء الكسوف نفسه.


لو كان هذا الاستنتاج صحيحًا، لكان معناه أن الأشجار تمتلك معرفة بحركة الشمس والقمر لم يكتسبها البشر إلا في عصور حديثة نسبيًا. طرح الباحثون تفسيرًا بديلًا، أن الأشجار قد تستجيب لإشارات بعيدة المدى قادمة من مناطق بدأ فيها الكسوف في وقت أبكر.


 حظيت هذه الادعاءات بتغطية إعلامية واسعة، افتقر أكثرها إلى النظرة النقدية، في حين عبّر عدد من العلماء عن شكوكهم بوضوح. وكما أُشير في حينه، فإن الادعاءات الخارجة إلى هذا الحد عن المألوف تحتاج إلى تكرار الرصد مرات عديدة قبل أن تقنع معظم العلماء.


جاء الرد العلمي على دراسة كيوليريو وزملائه من البروفيسور أرييل نوفوبلانسكي من جامعة بن غوريون، والدكتور هيزي يزحاق من المعهد السويسري لأبحاث البيئات الجافة والطاقة. عبّر الباحثان عن شكهما في أن تكون الظاهرة ذات دلالة علمية أصلًا. وأكدا أن «تطوير أبحاث سلوك النبات يتطلب تصميمًا تجريبيًا متينًا، وفرضيات قابلة للدحض، وتكرارًا كافيًا للتجارب، وضوابط صارمة»، وهي شروط يرون أنها لم تتحقق في هذه الدراسة.


أشار نوفوبلانسكي ويزحاق إلى أن الارتفاع المفترض في النشاط الكهربائي للأشجار سُجل قبل وصول كسوف الشمس إلى منطقة الدولوميت، حيث أُجريت الدراسة، بنحو 14 ساعة، لكنه تزامن في الوقت نفسه مع عاصفة رعدية. بل إن سجلات الرصد أظهرت وقوع ضربات برق قريبة نسبيًا من الأشجار التي جرى قياس إشاراتها، وهو تفسير أبسط وأكثر منطقية لازدياد النشاط الكهربائي المفاجئ.


لم يخفِ نوفوبلانسكي حدة انتقاده، إذ قال في بيان صحفي: من وجهة نظري، تمثل هذه الورقة تسللًا لعلم زائف إلى صميم البحث البيولوجي. فبدلًا من النظر في عوامل بيئية بسيطة وموثقة جيدًا، مثل هطول أمطار غزيرة وحدوث صواعق قريبة، انجذب المؤلفون إلى الفكرة الأكثر إغراءً، وهي أن الأشجار كانت تستبق كسوف الشمس القادم.


أشار الباحثان إلى اعتراضات أخرى. يُعد كسوف الشمس الكلي حدث غير مألوف للأنظمة البيئية، إذ يحول النهار فجأة إلى ما يشبه الليل. أما الكسوف الجزئي الضحل، مثل الحالة المدروسة، فهو بالكاد يختلف عن مرور سحابة عابرة.


أوضح نوفوبلانسكي أن الكسوف لم يقلل شدة الضوء سوى بنحو 10.5% لمدة ساعتين. وظل مستوى الإضاءة خلال تلك الفترة أعلى بنحو الضعف مما يمكن للأشجار استخدامه عمليًا.


اقترح كيوليريو وزملاؤه أن تكون الأشجار قد استجابت لتأثيرات جاذبية، لا لتغير شدة الضوء. صحيح أن مجالي الجاذبية للشمس والقمر يصطفان في أثناء كسوف الشمس، غير أن نوفوبلانسكي ويزحاق أشارا إلى أن اصطفافًا مشابهًا يحدث عند كل قمر جديد، ولا يكون أقرب كثيرًا خلال الكسوف. بل تفوق الزيادة في قوة جذب القمر عندما يكون في أقرب نقطة من مداره أي تأثير إضافي ناتج من الكسوف مقارنةً بقمر جديد عادي.


حتى من دون كل هذه الاعتبارات، فإن جمع البيانات من ثلاث شجرات حية فقط وخمسة جذوع أشجار ميتة ينبغي أن يكون كافيًا لإثارة الشكوك حول ادعاءات استثنائية بهذا الحجم. ودعم تلك الشكوك إطلاق فيلم وثائقي بالتزامن مع نشر الدراسة.


قال نوفوبلانسكي: النشاط الكهربائي في الأشجار ظاهرة حقيقية، لكنها لا تزال مجال بحثي ناشئ. أما القول بأن التغيرات في هذه الإشارات، التي يمكن رصدها حتى في جذوع ميتة، قد تحمل دلالات على الذاكرة أو التوقع أو الاستجابة الجماعية، فيتطلب قفزات استثنائية عديدة، لم تدعمها هذه الدراسة. الغابة مدهشة بما فيه الكفاية، ولا حاجة لاختلاق ادعاءات غير عقلانية، وإن بدت خلابة ظاهريًا، عن تواصل استباقي أو استجابة قائمة فقط على الترابط الزمني.



المصادر:


الكاتب

لور عماد خليل

لور عماد خليل
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة