العلم يكشف طريقة لسماع ترددات الثقوب السوداء!
لو وُجد إنسان في الفراغ الكوني دون وسائل حماية، فإن الدقائق الأخيرة من حياته ستمر في صمت تام. يرجع ذلك إلى أن الفضاء يفتقر إلى الكثافة اللازمة لنقل الموجات الصوتية، إذ يتطلب الصوت وسطًا ماديًا تنتقل عبره الاهتزازات من جسيم إلى آخر حتى تصل إلى الأذن وتُحرّك الغشاء الطبلي.
مع ذلك، فإن عجز الصوت عن الانتشار في الفضاء لا يعني استحالة سماعه. إذ ابتكر العلماء طرقًا لتحويل الإشارات الكونية إلى تمثيلات صوتية مدهشة، تجمع بين الترفيه والفائدة العلمية، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الكون.
تحويل الإشارات الكونية إلى صوت
تعتمد دراسة الكون على تفسير الإشارات الواردة منه وتحويلها إلى معلومات قابلة للفهم. غالبية هذه الإشارات تقع ضمن الطيف الكهرومغناطيسي، في حين أن العين البشرية لا تدرك سوى جزء محدود منه. تشمل البيانات الكونية أنواعًا أخرى، مثل موجات البلازما أو التموجات الثقالية في نسيج الزمكان.
لتبسيط الفكرة، يمكن تشبيه هذه العملية بكيفية نقل المعلومات عبر الموجات الراديوية أو الألياف البصرية، إذ لا تحمل الإشارات معنى مباشرًا لحواسنا، بل تحتاج إلى فك ترميزها وتحويلها إلى صيغ يمكن إدراكها.
في علم الفلك، تُعرض البيانات غالبًا على هيئة صور، وهو أسلوب فعّال عند التعامل مع الضوء. غير أن تنوع الموجات في الفضاء يجعل من تحويلها إلى صوت خيارًا أكثر ملاءمة في بعض الحالات. في مشاريع مثل تحويل البيانات إلى صوت التي تطورها وكالة ناسا، تُترجم الصور إلى نغمات، بحيث تتحول شدة الضوء وموقعه إلى عناصر موسيقية. في حالات أخرى، تُعاد صياغة بيانات الموجات لتقع ضمن نطاق الترددات المسموعة، مثل موجات الضغط في الغازات الساخنة المحيطة بالثقوب السوداء فائقة الكتلة، أو موجات البلازما المرتبطة بالمجال المغناطيسي للأرض.
يمتلك كل جرم سماوي طابعه الصوتي الخاص عند إجراء هذه التحويلات. فالشمس، مثلًا، ستبدو كأنها تُصدر هديرًا مستمرًا نتيجة الحركات الديناميكية الهائلة على سطحها. قد تشير التقديرات إلى أن شدة هذا الصوت قد تبلغ نحو 100 ديسيبل لو أمكن سماعه. أما كوكبا زحل والمشتري، فتعكس إشاراتهما بعد تحويلها أنماطًا صوتية أقرب إلى موسيقى غامضة ذات طابع غير مألوف.
يعود تسجيل أول إشارات صوتية قادمة من الفضاء إلى عام 1933، عندما رصد عالم الفلك كارل جانسكي ضجيجًا مستمرًا باستخدام تلسكوب راديوي دوّار صممه خصيصى لدراسة موجات الراديو. تبيّن لاحقًا أن هذا الضجيج يمثل إشعاعًا صادرًا من مركز مجرة درب التبانة، وليس مجرد تشويش عشوائي.
لا يقتصر تحويل البيانات الكونية إلى صوت على الجانب الجمالي أو الترفيهي، بل يُعد أداة تحليلية مهمة، إذ يتيح للعلماء إدراك أنماط دقيقة قد لا تكون واضحة في التمثيلات البصرية وحدها.
مع أن الفضاء سيظل صامتًا بطبيعته منذ أن تمدد الكون وتبددت البلازما البدائية التي كانت تملؤه، فإن التقنيات الحديثة تمكّننا من إعادة صياغة تلك الإشارات، لنعيش تجربة سمعية فريدة تكشف لنا جانبًا جديدًا من أسرار الكون.