ألوان مفقودة من ضوء الشمس تحير العلماء
تعلمنا في المدرسة أن الضوء الأبيض يتحلل إلى ألوان الطيف، وأن قوس قزح الذي يظهر بعد المطر ما هو إلا ضوء الشمس عند تحلله، ولكن يبدو أن هذا الطيف يخفي ألغازًا أخرى، خصوصًا عندما يختفي بعضه حرفيًا فيما يُعرف بخطوط فراونهوفر.
تنشأ خطوط فراونهوفر في طيف ضوء الشمس بسبب امتصاص عناصر مختلفة في الغلاف الجوي للشمس لأطوال موجية محددة من الضوء. يمكن ملاحظة سمات مشابهة مع أي نجم ومجرة نستطيع رصد طيفه، ومع أن العلماء أمضوا عقودًا بالتحليل الطيفي الشمسي عالي الدقة، ما تزال بعض هذه الخطوط الطيفية غامضة دون تحديد أصولها بوضوح.
مع أن شمسنا تبدو متوهجة بضوء أبيض ساطع، فإن تفاصيل طيفها الكامل أعقد مما تبدو عليه. تظهر الصورة أدناه الطيف الشمسي الكامل الذي بتجميع ما رصده المرصد الشمسي الوطني الأمريكي في قمة كيت خلال ثمانينيات القرن الماضي.
توجد عدة أمور لافتة للنظر تتعلق بالطيف قد نلاحظها مباشرةً، فمثلًا يبدو الضوء أكثر سطوعًا عند الأطوال الموجية الصفراء والخضراء مع أن أشعة الشمس تبدو عديمة اللون تمامًا في السماء.
نلاحظ أيضًا وجود بقع داكنة، وهذه هي خطوط فراونهوفر التي وثقها الفيزيائي الألماني جوزيف فون فراونهوفر عام 1814، أي أننا نعرفها منذ أكثر من 200 عام، وآليتها مفهومة جيدًا، فهي خطوط ناتجة عن امتصاص الذرات والجزيئات في الغلاف الجوي الشمسي للفوتونات عند طول موجي محدد، إذ تمتص العناصر المختلفة أطوالًا موجية مختلفة من الضوء، والنمط المحدد لخطوط الامتصاص يمثل بصمة مميزة لعنصر معين.
إنها طريقة ذكية جدًا لاكتشاف العناصر الموجودة في نجم أو مجرة أو حتى الغلاف الجوي لكوكب ما، لكنها أصعب مما تبدو عليه، خاصةً مع تعدد البصمات المرئية والمتداخلة.
مع ذلك، حدد العلماء معظم خطوط فراونهوفر وعرفوا أن الشمس تتكون غالبًا من الهيدروجين والهيليوم، وأنها مثل كل النجوم تحوي أيضًا عناصر مثل الأكسجين والصوديوم والكالسيوم، وحتى كميات ضئيلة من الزئبق. وذلك لأن الكون عند ولادته كان يتكون بالكامل تقريبًا من الهيدروجين والقليل من الهيليوم.
يبدو أن الوضع ما زال كما هو لكن بحد أقل، لأن النجوم فور ولادتها بدأت بتحطيم الذرات في نواتها لتنشأ عناصر أثقل، ومع موتها تشتت العناصر الثقيلة بالفضاء، بل إن انفجاراتها العنيفة أدت إلى إنشاء عناصر أثقل أيضًا. دمجت الأجيال اللاحقة من النجوم تلك المواد في تكوينها الخاص، ويستطيع العلماء حساب عمر النجم بالنظر إلى عدد العناصر الأثقل من الهيليوم فيه وتوزيعها. لأن الشمس هي أقرب النجوم إلينا، فإننا نملك أكثر بيانات الطيفية تفصيلًا عنها.
مع كل هذه البيانات، ما زلنا غير قادرين على ربط مئات خطوط الامتصاص إلى الكيمياء التي أنتجتها، أو نجدها غير متوافقة مع الأطياف الاصطناعية الناتجة عن نمذجة شمس اصطناعية (بدرجة الحرارة والجاذبية وبنية الغلاف الجوي وخصائص أخرى). توجد عدة أسباب لذلك، وثقتها بدقة دراسة من عام 2017 تتناول مجموعة محددة من الخطوط المفقودة.
لعل السبب الرئيسي لهذا اللغز هو أن قواعد البيانات الحالية للخطوط الذرية والجزيئية غير مكتملة مع أنها ضخمة جدًا، ويتطلب تحديد البصمة الطيفية لذرة أو جزيء معين إجراء اختبارات وتحقق، لكن بعض المجموعات معقدة مثل مجموعة الحديد.
تعد الشمس نفسها أيضًا جزءًا كبيرًا من المشكلة، إذ تتميز بغلاف جوي ديناميكي ومتغير، تهيمن عليه عمليات الحمل الحراري وحقول مغناطيسية متغيرة بشدة، قد يؤثر كل ذلك في ظاهرية خصائص الامتصاص. بالنتيجة نجد مجموعة من الخطوط الغامضة في الطيف الشمسي، بأطوال موجية لا تتوافق مع الأطياف الاصطناعية، ولا يمكن نسبتها إلى أي امتصاص ذري أو جزيئي معروف.
من المثير للاهتمام أن أقرب نجم إلى الأرض ما يزال يحمل بعض الألغاز المعقدة التي تبدو بسيطة ولم نتمكن من حلها بعد حتى بعد قرون من الدراسة. الخبر الجيد أننا نحرز تقدمًا مستمرًا نحو الإجابات، فتطور الأدوات وتوسع قواعد البيانات للخطوط الطيفية وتحسن نماذج الغلاف الجوي للشمس، كلها تساهم في هذا التقدم. يُعد كل اختلاف بين الأطياف الحقيقية والاصطناعية دليلًا يرشدنا إلى كيفية تحسين نماذجنا. في الوقت نفسه، من المرجح أننا لن ننتهي أبدًا من دراسة شمسنا، هذا بحد ذاته أمر مذهل.
المصادر:
الكاتب
رامان يوسف
تدقيق
محمد حسان عجك
