بعد عقود من الحيرة: العلماء يعثرون أخيرًا على حافة مجرتنا!

25 يوليو 2026
7 مشاهدة
0 اعجاب

بعد عقود من الحيرة: العلماء يعثرون أخيرًا على حافة مجرتنا!



من منظورنا على الأرض تبدو مجرة درب التبانة امتدادًا هائلًا من النجوم يمتد إلى ما لا نهاية. فبالنسبة إلى شخص يقف على سطح الأرض وبصره متأمل في أفق السماء في الليل، تبدو حينها وكأنها لا نهاية لها، لكن في الواقع مجرتنا لها حدود خارجية تنتهي عند مناطق نائية للغاية، حيث يتلاشى تشكل النجوم تدريجيًا في غياهب الفضاء السحيق. 


تتطور المجرات عبر مليارات السنين في عملية مستمرة من التغير والتحول. فعندما تنخفض درجة حرارة الغازات التي تشكل النجوم أو تتشتت في الفضاء، يتباطأ بدوره تكون النجوم وأحيانًا يتوقف كليًا، وفي المقابل، تولد النجوم في مناطق أخرى داخل سحب كثيفة وساخنة من الغاز والغبار، ما يؤدي باستمرار إلى إعادة تشكيل بنية المجرات وتركيبها.


تعد مجرة درب التبانة مجرةً حلزونية تمتلك قرصًا دوارًا، وتمثل حافته أبعد منطقة حيث ما تزال النجوم تتشكل. توصل فريق من الباحثين في جامعة مالطا، بعد تحليل بيانات أكثر من 100 ألف نجم عملاق اعتمادًا على عدة مسوح فلكية، من بينها APOGEE-DR17 وGaia وLAMOST-DR3، إلى أن النجوم الأقرب إلى مركز المجرة تعد من أقدم النجوم عمرًا.


تضم درب التبانة مئات المليارات من النجوم، وبوجه عام تميل أعمار النجوم إلى أن تصبح أصغر كلما ابتعدنا عن مركز المجرة. لكن هذا النمط لا يستمر دائمًا. إذ توجد مناطق تعود فيها النجوم لتصبح أقدم عمرًا مرة أخرى. وقد كشفت الملاحظات التي رصدت بواسطة تليسكوب هابل وتليسكوب جيمس ويب الفضائي عن مناطق لا ينخفض فيها سطوع المجرة تدريجيًا مع ازدياد المسافة عن مركز المجرة بالشكل المعتاد، بل تظهر فيها انقطاعات أو تغيرات مفاجئة في منحنى السطوع. رغم هذه الملاحظات، لا يزال السبب الدقيق وراء تلك الانقطاعات في توزيع الضوء داخل المجرة غير واضح تمامًا.


أيضًا يواجه العلماء صعوبة في تحديد الكثافة النجمية في المناطق المختلفة من المجرة، ويرجع ذلك إلى تأثير الغبار والغاز بين النجميين، إذ يمتصان الإشعاع الكهرومغناطيسي ويبعثرانه، وهي ظاهرة تعرف باسم الانطفاء الغباري.


كتب الباحثون: «في حين تعد الانقطاعات في أقراص المجرات ظاهرة شائعة، فإن مسألة امتلاك درب التبانة هيكلًا ضوئيًا متقطعًا ظل سؤالًا مفتوحًا. وربما يعود ذلك جزئيًا إلى موقعنا داخل القرص المجري، ما يجعل تحديد الكثافة النجمية مباشرةً أمرًا صعبًا بسبب ظاهرة الانطفاء الغباري».


حاولت دراسات أخرى سابقة تحديد موقع هذا الانقطاع داخل مجرة درب التبانة. وقد رصد مشروع المسح الفلكي APOGEE مؤشرات على وجود انقطاع في الكثافة النجمية في أبعد مناطق المجرة عن المركز. وفي المجرات الحلزونية المشابهة، ترتبط هذه الانقطاعات عادةً بحدود معينة يتراجع بعدها تشكل النجوم.


يعتقد أن هجرة النجوم قد تكون عاملًا آخر وراء هذه الظاهرة، إذ تؤدي الأذرع الحلزونية المتغيرة، إلى جانب القضيب النجمي المركزي للمجرة -وهو بنية كثيفة من النجوم المصطفة التي تدور في مدارات بيضاوية، بحيث إذا نظر إليها من فوق بدت وكأنها خط واحد مستقيم- إلى تحريك النجوم عبر القرص المجري. ويرجح أن ينتج هذا الاختلاف في السرعات عن اضطرابات جاذبية داخل المجرة، وهي عملية قد تدفع بعض النجوم من المناطق الداخلية في المركز إلى الأطراف الخارجية للقرص المجري. وبعد منطقة الانقطاع هذه، تبدأ أعمار النجوم بالازدياد مجددًا.


بسبب انخفاض أعمار النجوم تدريجيًا حتى منطقة الانقطاع ثم ارتفاعها مجددًا بعدها، تمتلك درب التبانة ما يعرف بمنحنى الأعمار النجمي على شكل حرف U، وهو نمط شائع في المجرات من النوع الثاني.


تشير المحاكاة الفلكية إلى أن العديد من النجوم الموجودة حاليًا في الأطراف الخارجية للقرص المجري قد تشكلت في الأصل بالقرب من مركز المجرة، ثم هاجرت تدريجيًا نحو الخارج مع مرور الزمن. وتدعم العلاقة بين أعمار النجوم ومحتواها المعدني هذه الفرضية، فالنجوم الغنية بالعناصر الأثقل من الهيليوم تكون غالبًا أحدث عمرًا وأكثر تمركزًا قرب مركز المجرة، في حين أن النجوم ذات المحتوى المعدني المنخفض تكون عادةً أقدم عمرًا وتوجد على مسافات أبعد من النواة المجرية.


أظهرت بيانات الرصد المستمدة من مشروعات المسح الفلكية أن أعمار النجوم في الأطراف الخارجية لقرص درب التبانة تستمر بالازدياد كلما اقتربنا من حافته. ويعتقد أن نجم الشمس نفسه قد يكون هاجر تدريجيًا نحو الخارج عبر تاريخ عمر المجرة.


يمكن تفسير توزيع أعمار النجوم في المجرة -جزئيًا على الأقل- بوجود كميات هائلة من الغاز والغبار خلال المراحل الأولى من تشكلها، وهي كميات كانت أكبر بكثير مما صارت عليه اليوم قرب الثقب الأسود فائق الكتلة في مركز المجرة. أسهمت تلك البيئة المبكرة في تكوين أعداد ضخمة من النجوم القديمة التي تحولت لاحقًا إلى عمالقة حمر.


مع الابتعاد عن مركز المجرة، تصبح سحب الغاز والغبار أكثر تشتتًا وأقل كثافة، ما يؤدي إلى تباطؤ عمليات تشكل النجوم. ولهذا استغرقت النجوم التي تكونت عند الحواف الخارجية وقتًا أطول لتتشكل، ولذلك تكون في الغالب أصغر عمرًا. أما النجوم الواقعة بعد آخر حدود تشكل النجوم، فهي أقدم بكثير، لأنها نشأت في المناطق الداخلية للمجرة ثم هاجرت لاحقًا نحو الأطراف الخارجية.


اعتمادًا على هذه البيانات، توصل الباحثون إلى أن القرص الخارجي للمجرة يمتد حتى مسافة تقارب 40 ألف سنة ضوئية من مركز المجرة. تدعم هذه النتيجة ملاحظات أخرى تشير إلى وجود غاز بارد وبطيء الحركة خلف هذه المنطقة، يبدو منخفض الكثافة والطاقة إلى درجة لا تسمح حتى بتكون نجوم جديدة. قد يؤدي القضيب المركزي للمجرة دورًا إضافيًا في هذه الظاهرة، عبر احتجاز الغاز وإعاقة حركته نحو الخارج. إذا استمر الغاز في التشتت، خاصةً مع الانحناء الطفيف في قرص المجرة الذي يزيد من تفرقه، فقد لا يتمكن من التبريد بالقدر الكافي لتكوين السحب الكونية التي تولد فيها النجوم.


كتب الباحثون: «ما زال السبب الجذري لانخفاض معدلات تشكل النجوم بعد منطقة الانقطاع في درب التبانة غير واضح حتى الآن. فقد يكون هذا الانقطاع ناتجًا في الأساس من الديناميكيات الفيزيائية المرتبطة بالقضيب المركزي المجري، أو عن تنقلات تنظمها الخصائص الحرارية لأطوار الغاز المختلفة، أو بسبب بداية الانحناء في الأقراص الغازية والنجمية، وربما نتيجة تفاعل عدة آليات معًا».




المصادر:


الكاتب

محمد اسماعيل

محمد اسماعيل
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة