تاريخ مختصر للفن المصري

28 يناير 2026
14 مشاهدة
0 اعجاب

تاريخ مختصر للفن المصري

 

يُعد الفن جانبًا مهمًا من جوانب أي حضارة، فعندما تُلبى الاحتياجات الإنسانية الأساسية مثل الطعام والمأوى والقانون والمعتقدات الدينية، تبدأ المجتمعات بإنتاج الأعمال الفنية. وغالبًا ما تحدث هذه التطورات معًا في الوقت ذاته تقريبًا.


بدأت هذه التطورات في عصر ما قبل الأسرات في مصر، في الفترة (6000 - 3150 قبل الميلاد)، من خلال صور الحيوانات والبشر والشخصيات الخارقة للطبيعة، التي كانت منقوشة على الجدران الصخرية. لكن هذه الصور كانت بدائية مقارنةً بالتطورات اللاحقة، وإن ظلت تعبر عن قيمة مهمة من قيم الوعي الثقافي المصري، وهي التوازن.


اعتمد المجتمع المصري على فكرة الانسجام، المعروف باسم (ماعت)، الذي ظهر منذ بداية الخلق وحافظ على استمرارية الكون. استندت جميع الفنون المصرية إلى فكرة التوازن المثالي، إذ تعكس فكرة عالم الآلهة المثالي، إضافةً إلى أن «الآلهة» أنفسهم قدموا للبشرية شتى العطايا الجيدة، لذلك صوّر الفن وصُنع لتحقيق غاية ما.


كان الفن المصري فنًا ذا وظيفة محددة في المقام الأول. فلم يكن جمال التمثال هو المهم، بل الغاية التي صُنع من أجلها، وهو أن يكون مسكنًا للروح أو الإله. لم تكن الغاية من صنعه الجمال بل توفير الحماية. إذ أنشؤوا لوحات المقابر والمعابد والمنازل وحدائق القصور بشكل مناسب للغاية التي صُنعت من أجلها. وفي جميع الحالات كانت تتضمن تذكيرًا بطبيعة الحياة الأبدية وقيمة الاستقرار الجماعي.


الفن في عصر الأسرات المبكرة


كانت قيمة التوازن التي تتجلى في التناظر، متأصلة في الفن المصري منذ العصور القديمة. إذ أكدّت الفنون الحجرية من فترة عصر ما قبل الأسرات هذه القيمة التي تطورت واكتملت في فترة عصر الأسرات المبكر في مصر، الفترة (3150 - 2613 قبل الميلاد).


بلغ فن هذه الفترة ذروته في العمل المعروف باسم لوحة نعرمر (3200 - 3000 قبل الميلاد)، التي أُنشئت للاحتفاء بوحدة مصر العليا والسفلى في عهد الملك نعرمر ( 3150 قبل الميلاد). تظهر قصة اللوحة عبر سلسلة من النقوش المحفورة على لوح من الحجر الطيني على شكل درع مقلوب، يسرد قصة انتصار الملك العظيم على أعدائه وكيف كانت الآلهة تدعمه وتقر أفعاله. مع أن بعض صور اللوحة كان من الصعب تفسيرها، فإن قصة التوحيد والاحتفاء بالملك كانت واضحة جدًا.


وصف لوحة نعرمر


 في الوجه الأمامي للوحة، يرتبط الملك نعرمر بالقوة الإلهية للثور (أبيس)، مرتديًا تاج مصر العليا والسفلى في موكب نصر. أما في أسفل اللوحة، فنجد رجلين يتصارعان مع وحوش متشابكة. يرجّح أنّها تمثل مصر العليا والسفلى، إلا أن هذا التفسير موضع جدل بين العلماء. أما الوجه الخلفي، فيُظهر انتصار الملك على أعدائه، في حين تنظر الآلهة إليه بعين الرضا. وقد نُحتت جميع هذه المشاهد باستخدام تقنية النقش البارز المنخفض، باتقان فائق.


استُخدمت هذه التقنية بفعالية كبيرة في نهاية عصر الأسرات المبكر، من قِبل المهندس المعماري (إمحوتب) نحو (2667 - 2600) قبل الميلاد. عند تصميم مجمع هرم للملك زوسر (نحو 2670 قبل الميلاد). فقد دمج صور زهور اللوتس ونباتات البردي ورمز الجد بإتقان في هندسة المباني باستخدام النقوش البارزة والمرتفعة. وفي ذلك الوقت، كان النحاتين يتقنون فن النحت على الحجر لإنشاء تماثيل ثلاثية الأبعاد بالحجم الطبيعي. إذ يُعد تمثال زوسر من أعظم الأعمال الفنية في تلك الفترة.


فن المملكة القديمة


تطورت مهارة النحت خلال المملكة المصرية القديمة (نحو 2613-2181 قبل الميلاد) عندما تضافرت الحكومة القوية مع الازدهار الاقتصادي. ما أدى إلى خلق بيئة داعمة للقيام بأعمال ضخمة مثل الهرم الأكبر في الجيزة، وأبي الهول، ولوحات المقابر والمعابد المتقنة. جرى تطوير المسلة لأول مرة في عصر الأسرات المبكر، واستُخدمت على نطاق أوسع خلال عصر الدولة القديمة. وازدادت رسومات المقابر تعقيدًا، في حين بقيت التماثيل ثابتة دون تعديل في معظمها.


تظهر المقارنة بين تمثال زوسر من سقارة وتمثال صغير من العاج للملك خوفو (2589-2566 قبل الميلاد) الذي عُثر عليه في الجيزة، تشابهًا في الشكل والتقنية. مع ذلك، يُعدّ كلا العملين تحفتين استثنائيتين من حيث التنفيذ والدقة. فقد كان الفن المصري خلال عصر الدولة القديمة خاضعًا لإرادة الدولة، إذ إن الملك أو أحد كبار النبلاء كان يُكلف بتنفيذ عمل فني وتحديد أسلوبه. لهذا السبب، نجد هذا التناسق في فنون عصر الدولة القديمة. مع اختلاف وجهة نظر الفنانين، كانوا مُلزمين بالإبداع وفقًا لمتطلبات الملوك الحاكمين. لكن تغير هذا النمط مع انهيار الدولة القديمة وبداية العصر الانتقالي الأول (2181-2040 قبل الميلاد).




المصادر:


الكاتب

لين مهنا

لين مهنا
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
ترجمة

لين مهنا

لين مهنا



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة