تجربة جديدة تظهر أن بعض الكائنات المجهرية الدقيقة تستطيع البقاء على قيد الحياة في رحلة بين الكواكب

8 أبريل 2026
13 مشاهدة
0 اعجاب

تجربة جديدة تظهر أن بعض الكائنات المجهرية الدقيقة تستطيع البقاء على قيد الحياة في رحلة بين الكواكب

 

 

 

تعود فكرة انتقال الحياة من عالم إلى آخر إلى العصور اليونانية القديمة، حيث طرحها الفيلسوف أنكساغوراس. وتُعرف هذه الفكرة باسم البانسبرميا، وهي فرضية تفيد بأن الحياة أو بذورها قد تنتقل بين الكواكب. مع أنها لا تُعد من الأفكار العلمية السائدة تمامًا، فإنها استمرت عبر الزمن، وتعززت جزئيًا بفضل الاكتشافات الحديثة التي أظهرت أن اللبنات الكيميائية الأساسية للحياة أكثر انتشارًا في الكون مما كان يُعتقد سابقًا.

 

في هذا السياق، كشفت أبحاث جديدة حول الكائنات الحية المتطرفة أن بعض هذه الكائنات قد تكون قادرة على النجاة من عملية قذفها من كوكب المريخ نتيجة اصطدام كويكب بسطحه. فهذه الكائنات لا تستطيع فقط تحمّل الضغوط الهائلة الناتجة عن الاصطدام المباشر، بل قد تتمكن أيضًا من البقاء على قيد الحياة خلال الرحلة بين الكواكب، رغم ما تنطوي عليه من أخطار عديدة، خاصة إذا أصبحت محبوسة داخل الحطام الصخري الناتج من الاصطدام.

 

نُشرت هذه الدراسة بعنوان «نجاة كائن متطرف من الضغوط المؤقتة المرتبطة بالقذف الناتج عن الاصطدام من المريخ» في مجلة PNAS Nexus. وقادت البحث ليلي تشاو، وهي طالبة دراسات عليا في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة جونز هوبكنز.

 

يشير الباحثون إلى أن الاصطدامات الكوكبية تولّد إجهادات هائلة خلال فترات زمنية قصيرة جدًا، ما يؤدي إلى ضغوط شديدة ومعدلات تحميل عالية. ويطرح العلماء سؤالًا محوريًا: هل تستطيع الكائنات الدقيقة البقاء على قيد الحياة في ظل مثل هذه الظروف القاسية؟

 

للإجابة عن هذا السؤال، اختار الباحثون كائنًا دقيقًا متطرفًا يُعرف باسم Deinococcus radiodurans، وهو من الكائنات المعروفة بقدرتها الاستثنائية على تحمّل الظروف الخطرة في الفضاء. وقد كان هذا الكائن موضوعًا للعديد من الدراسات المتعلقة بالكائنات المتطرفة.

 

يُعد D. radiodurans أكثر أشكال الحياة مقاومةً للإشعاع المعروفة حتى الآن، كما يمكنه البقاء في ظروف قاسية مثل البرودة الشديدة، والجفاف، والفراغ، وحتى الأوساط الحمضية. ولهذا يُطلق عليه أحيانًا وصف كائن متعدد التحمّل للظروف المتطرفة، نظرًا إلى قدرته على مقاومة أنواع مختلفة من الأخطار البيئية.

 

في التجارب المخبرية، عرّض الباحثون هذا الكائن لضغوط شديدة جدًا لفترات قصيرة لمحاكاة ظروف الاصطدام الكوكبي. ثم قاسوا نسبة الكائنات التي نجت من التجربة، ودراسة كيفية إصلاحها للأضرار التي لحقت بها، إضافةً إلى تحليل استجابتها للاصطدامات على المستوى الجزيئي.

 

صرّحت الباحثة ليلي تشاو: «كنا نحاول مرارًا القضاء عليه، لكن كان من الصعب جدًا قتله».

 

جرى استخراج الحمض النووي الريبي من العينات التي نجت من التجربة ودراسته. وأظهرت النتائج أن ازدياد الضغط يؤدي إلى زيادة الإجهاد البيولوجي الواقع على الكائن، ومع ذلك ظلت معدلات البقاء مرتفعة في بعض التجارب.

 

كتب الباحثون في دراستهم: إن الكائن المتطرف D. radiodurans أظهر قدرة بقاء عالية بشكل ملحوظ حتى بعد تعريضه لضغوط تصل إلى 3 جيجا باسكال. ومع زيادة الضغط ظهرت مؤشرات على ازدياد الإجهاد البيولوجي، وهو ما حدده التحليل النسخي للعينات المتأثرة بالاصطدام.

 

تشير النتائج إلى أن الكائنات الدقيقة قد تكون قادرة على تحمّل ظروف أقسى بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، يشمل ذلك الظروف التي تؤدي إلى تكوّن حطام صخري قد ينتقل عبر الأنظمة الكوكبية.

 

قال الباحث المشارك ك.ت. راميش، المتخصص في دراسة سلوك المواد في الظروف القاسية: تشير النتائج إلى احتمال بقاء الحياة بعد قذفها من كوكب إلى آخر، وهو أمر يغير الطريقة التي نفكر بها حول نشأة الحياة، وكيف بدأت الحياة على الأرض.

 

درس الباحثون العينات بعد تعرّضها للاصطدام لرصد أي تلف خلوي محتمل. واستخدموا تقنية المجهر الإلكتروني النافذ (TEM) لمقارنة عينة مرجعية غير متأثرة بالصدمة مع عينات تعرّضت لضغوط بلغت 1.4 و2.4 جيجا باسكال. وأظهرت النتائج حدوث تغيرات بنيوية وشكلية في الخلايا عند الضغوط الأعلى.

 

مع ذلك، بقيت النتيجة الأهم أن الكائن D. radiodurans قادر على تحمّل ضغوط عالية جدًا وإن كانت مؤقتة مع تأثيرات محدودة نسبيًا على بقائه.

 

في الواقع، أشارت الباحثة تشاو إلى أن الأجهزة المخبرية نفسها وصلت إلى حدود تحمّلها قبل أن تنجح في القضاء على جميع الكائنات في العينة.

 

تشير التقديرات إلى أن الاصطدامات على سطح المريخ قد تعرّض المواد لضغوط تصل إلى 5 جيجا باسكال أو أكثر، اعتمادًا على عدة عوامل. ومع ذلك، فإن بقاء هذا الكائن حيًا حتى ضغط 3 جيجا باسكال يُعد مؤشرًا مشجعًا للباحثين المهتمين بفرضية البانسبرميا.

 

تقول تشاو: تُظهر نتائج الدراسة إمكانية بقاء الحياة بعد الاصطدامات الكوكبية الكبرى والقذف إلى الفضاء، ما يعني أن الحياة قد تكون قادرة من الناحية النظرية على الانتقال بين الكواكب. وربما على حد تعبيرها، قد نكون نحن أنفسنا في الأصل قادمين من المريخ.

 

لا تقتصر أهمية هذه النتائج على فرضية انتقال الحياة بين الكواكب فحسب، بل تمتد أيضًا إلى مسألة الحماية الكوكبية. فبما أن هذا الكائن قادر على تحمّل الضغوط الشديدة، فمن المحتمل أن ينجو من انتقال غير مقصود من الأرض إلى المريخ عبر المركبات الجوالة أو المركبات الهابطة التي تُرسل في البعثات الفضائية.

 

لهذا حذّر راميش قائلًا: قد يكون من الضروري توخي قدر كبير من الحذر عند اختيار الكواكب التي نزورها.

 

في ختام الدراسة، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج تحمل دلالات مهمة لفهم الحدود القصوى للحياة، ومفاهيم الحماية الكوكبية، وتصميم المهمات الفضائية، إضافة إلى احتمال انتشار الحياة عبر الأنظمة الكوكبية المختلفة.

 

 



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة