تجربة في الجاذبية الكمومية والجاذبية المضادة تسعى لإعادة كتابة الفيزياء!
ترتبط الجاذبية ارتباطًا وثيقًا بحياتنا، فهي القوة التي تبقينا على سطح الأرض. مع ذلك، ما زال العلماء غير قادرين على وصفها وفقًا لقوانين ميكانيكا الكم، أو على اختبار النسبية العامة -أفضل نظرية لدينا لوصف الجاذبية- وفيزياء الكم في تجربة واحدة.
قد تغير ذلك تجربة واحدة في الجاذبية الكمومية والجاذبية المضادة، وتمهد الطريق إلى نظرية فيزيائية جديدة ذات تطبيقات مذهلة.
التجربة في الجاذبية الكمومية
هي تجربة بي إم في BMV، أجراها الباحثون فلادكو فيدرال (V) وكيارا مارليتو (M) وسوغاتو بوس (B) الذين اقترحوا فكرةً لاختبار الطبيعة الكمومية للجاذبية، حتى باستخدام أجسام أصغر بكثير من الأرض، تماثل حجمًا الخلية البيولوجية تقريبًا، أو ربما أصغر قليلًا.
اقترح الباحثون وضع كتلتين في حالة تراكب كمومي، وهي خاصية في ميكانيكا الكم تسمح للجسم بأن يوجد في حالتين أو أكثر في الوقت نفسه. في هذه التجربة، ستكون كل كتلة في موضعين مختلفين في آن واحد.
إذا كانت الجاذبية ذات طبيعة كمومية، ستتشابك الكتلتان كموميًا، أي سيصبح موضعيهما مترابطين بطريقة لا يمكن وصفها بالفيزياء الكلاسيكية. عندها سنلاحظ أربع تموجات مميزة في المجال الجاذبي، تموجين لكل كتلة. أما إذا كانت الجاذبية كلاسيكية، فلن يحدث أي تشابك كمومي، من ثم لن يظهر سوى تموج واحد لكل كتلة.
لتقريب الفكرة، تخيل أنك تُسقط كرة في حوض سباحة. في هذا التشبيه، تمثل الكتلة الموجودة في حالة التراكب الكرة، في حين يمثل المجال الجاذبي سطح الماء. إذا أسقطت الكرة، فسترى أمواجًا تظهر في كل من الطرف العميق والطرف الضحل من الحوض، في حال كانت الجاذبية ذات طبيعة كمومية فعلًا. وإذا كان لديك كرتان في حالة كمومية، فستظهر أربعة تموجات، ما يؤدي إلى حدوث تشابك كمومي بينهما.
حال إجراء تجربة BMV وتأكيد حدوث التشابك الكمومي، الذي يشير إلى أن الجاذبية ذات طبيعة كمومية، ستتاح تطبيقات عملية مذهلة. قد نتمكن من بناء حواسيب كمومية تعتمد على الجاذبية. ولما كانت الثقوب السوداء تختزن معلومات أكثر من أي جسم آخر معروف في الكون، فقد نتمكن يومًا ما من استخدامها بوصفها أقوى الحواسيب الفائقة الكمومية على الإطلاق.
التجربة في الجاذبية المضادة
توجد في الطبيعة أربع قوى أساسية هي الجاذبية والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة، والقوة النووية الضعيفة.
تتميز الجاذبية عن بقية القوى بضعفها وبأنها أيضًا دائمًا قوة تجاذب بين جميع الأجسام. فهي تعمل بوصفها غراءً كونيًا يربط كل شيء معًا.
لكن، يقول الباحثون إن الطبيعة الكمومية للجاذبية قد تُستخدم لجعل الجاذبية قوة تنافر بدلًا من قوة تجاذب.
صمم الباحثون فلادكو فيدرال وكيارا مارليتو وبابلو سالدانيا، آلة مضادة للجاذبية تعمل هذه الآلة بطريقة مشابهة لتجربة BMV.
تخيل أن إحدى الكتلتين المتجاذبتين (المصدر) -الكرة في التشبيه المبسط- موجودة في حالة تراكب كمومي، في حين تكون الكتلة الأخرى (المسبار) متمركزة في موضع واحد محدد.
تكون الجاذبية بين المصدر والمسبار أكبر في جزء التراكب إذ يكون المصدر أقرب إلى المسبار. أما في الجزء حيث يكون المصدر أبعد عن المسبار، تكون الجاذبية أضعف.
في كلا الجزئين، تظل الجاذبية قوة تجاذب. فكيف يمكن تحويلها إلى قوة تنافر؟
للإجابة عن ذلك، يجب أولًا معرفة أن كل تجربة في ميكانيكا الكم تتكون من ثلاث مراحل أساسية:
- إعداد حالة تراكب كمومي.
- ترك النظام يتطور مع الزمن وفقًا لقوانين ميكانيكا الكم.
- إجراء القياس في أساس (حالة) تراكب آخر.
المرحلة الأخيرة هي التي تمنحنا تأثير التنافر، لكن فقط في إحدى النتائج المحتملة للقياس النهائي. على هذا، فإن العامل الحاسم هو ما يُعرف بالاختيار اللاحق. إذ لا نحصل على تأثير مضاد للجاذبية إلا إذا رُصدت النتيجة الصحيحة.
أما إذا أخذنا في الاعتبار جميع النتائج المحتملة للقياس، فإن الجاذبية تظل، في المتوسط، قوة تجاذب دائمًا، تمامًا كما هي في العالم الكلاسيكي، لهذا نحتاج إلى استبعاد إحدى نتائج القياس النهائي، ما يسمح بظهور تأثير التنافر.
قد يجادل البعض بأن أي شيء قد يحدث إذا اعتمدنا على الاختيار اللاحق، أي إذا اخترنا فقط النتيجة الأكثر ملاءمة، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. صحيح أن استبعاد النتائج «غير المرغوبة» (تجاذب الجسيمات في حالتنا) يجعلنا نرى النتيجة التي نريدها (التنافر)، لكن هذا لا يمكن أن يحدث في الفيزياء الكلاسيكية مهما بالغنا في اختيار النتائج المناسبة.
من ثم، إذا أُثبتت صحة هذه التجربة، ستُظهر أنه يمكن للجاذبية أن تؤثر من موقعين مختلفين للمصدر في آن واحد. بعبارة أخرى، لا يمكن وجود آلة مضادة للجاذبية إلا إذا كانت الجاذبية ذات طبيعة كمومية.
ما مدى واقعية تنفيذ تجربتي BMV والجاذبية المضادة؟
الأمر بالغ الصعوبة. مع ذلك، تتسابق حاليًا عدة مجموعات بحثية رائدة عالميًا في مجال فيزياء الكم لتنفيذ هذه التجارب، وقد نحصل على نتائج حاسمة في بداية ثلاثينيات هذا القرن.
إننا نقف على أعتاب حل واحدة من أعظم ألغاز الفيزياء، ستمكن ربما من تطوير تقنية لم يكن ليتخيلها حتى أشهر كتاب الخيال العلمي.