تراجع متسارع في جليد القطب الجنوبي ينبئ بعواقب وخيمة

25 يونيو 2026
10 مشاهدة
0 اعجاب

تراجع متسارع في جليد القطب الجنوبي ينبئ بعواقب وخيمة



بدت القارة القطبية الجنوبية كأنها تتحدى ظاهرة الاحتباس الحراري لعقود، منذ أن بدأت الأقمار الصناعية برصد القطبين في أواخر سبعينيات القرن الماضي. بدا نمو الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية وتراجعه -وهو مياه بحر متجمدة تتمدد حول القارة كل شتاء- مرنًا بشكل ملحوظ وكثيرًا ما وُصف بأنه نبض الكوكب.


رغم انخفاض الجليد البحري بسرعة في القطب الشمالي مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، لم يُظهر الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية سوى خسارة طفيفة إجمالًا، بل إنه تمدد بين عامي 2007 و2015، لكن هذه المرونة قد انهارت الآن.


انخفض الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية انخفاضًا حادًا منذ عام 2015. انخفض امتداد الجليد البحري الشتوي إلى مستويات قياسية منخفضة عام 2023 -أقل بكثير من المتوسط ​​طويل الأجل- لدرجة أن العلماء عدوا ذلك حدثًا احتمالية حدوثه صدفةً واحد من بين 3.5 مليون. طالما اعتُبرت القارة القطبية الجنوبية جزءًا من النظام المناخي الذي يُتوقع أن يتغير ببطء، لذلك شكلت سرعة انخفاض الجليد البحري مؤخرًا صدمةً كبيرة. 


توقع العلماء انكماش الجليد البحري في القطب الجنوبي مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، لكن ليس بهذه السرعة. نماذج المناخ المستخدمة لفهم كيفية استجابة القارة للاحترار لم تتنبأ بهذا التراجع الذي حدث في العقد الماضي. 


هذا ما يجعل الانخفاض الأخير مثيرًا للقلق تحديدًا، إذ يشير إلى أن الأمور قد تتطور بوتيرة أسرع، أو بطرق مختلفة عما تستطيع نماذجنا رصده بالكامل. 


هذا الأمر بالغ الأهمية لأن الجليد البحري يعكس ضوء الشمس إلى الفضاء، ويساعد على تحريك التيارات المحيطية التي تحبس الحرارة والكربون في أعماق البحار، وسيكون لانخفاضه تداعيات على المناخ وعلى النظم البيئية المعتمدة عليه في القطب الجنوبي. 


تغير جذري


تبين الدراسة أن المحيط حول القارة القطبية الجنوبية قد شهد تحولًا جذريًا، فالحرارة التي كانت محصورة في أعماق المحيط تصعد الآن إلى السطح، إذ يمكنها إذابة الجليد البحري. 


بدأت سلسلة الأحداث التي أدت إلى هذا التغيير قبل عقود، ففي محيط القارة القطبية الجنوبية، اشتدت الرياح نتيجة لثقب الأوزون وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. عملت هذه الرياح الأقوى مضخةً، لتجذب تدريجيًا المياه الدافئة المالحة من الأعماق إلى السطح. 


كان المحيط حول القارة القطبية الجنوبية -المحيط الجنوبي- ذا طبقات متداخلة لسنوات، إذ تستقر المياه العذبة الباردة فوق المياه الدافئة المالحة في الأسفل، وقد حال هذا التداخل دون وصول الحرارة إلى السطح. 


ضعف هذا الحاجز بحلول عام 2015، وارتفعت المياه الدافئة من الأعماق إلى مستوى قريب من السطح بما يكفي لتحريكها بفعل العواصف والرياح القوية.


أصبحت المياه المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية محصورة في حلقة مفرغة منذ ذلك الحين، فارتفاع المياه من الأعماق يجلب الحرارة والملح إلى السطح. تُذيب الحرارة الجليد البحري، بينما يزيد الملح الزائد من كثافة المياه السطحية، ما يُسهل اختلاطها بالمياه الدافئة في الأسفل، هذا يسمح بمزيد من ارتفاع الحرارة، ويُصعب تكون جليد بحري جديد، وهكذا دواليك. 


لا تقتصر العواقب على الجوانب المادية فحسب، فالجليد البحري في القطب الجنوبي يدعم أحد أكثر النظم البيئية تميزًا في العالم. إذ تنمو الطحالب على الجليد وتحته، مُغذيةً الكريل، الذي بدوره يُغذي طيور البطريق والفقمات والحيتان والطيور البحرية. 


رُبط انخفاض مستوى الجليد البحري بالفعل بحالات غرق جماعي لصغار طيور البطريق الإمبراطور، ما يُعرض هذا النوع بأكمله للخطر، لذا فإن التحول طويل الأمد نحو انخفاض الغطاء الجليدي البحري لن يُعيد تشكيل المناخ فحسب، بل المحيط الجنوبي أيضًا. 


هذه ليست مشكلة إقليمية فحسب، فالجليد البحري في القطب الجنوبي يعمل مرآةً، يعكس ضوء الشمس ويُساعد في الحفاظ على برودة الكوكب، ويمتص المحيط المزيد من الحرارة مع تقلصه. قد تُقلل التغيرات في دوران المحيط الجنوبي من قدرة المحيط على تخزين الحرارة والكربون في الوقت ذاته.


ساهمت القارة القطبية الجنوبية في التخفيف من آثار الاحتباس الحراري في الماضي. تشير نتائجنا إلى أنها قد تشهد الآن تحولاً في الاتجاه المعاكس.  


يبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا التغير دائمًا، لكن إذا استمرت ظروف انخفاض الجليد البحري، فقد يبدأ المحيط الجنوبي في تسريع الاحتباس الحراري بدلًا من الحد منه. 




المصادر:


الكاتب

محمد الشرقاوي

محمد الشرقاوي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
تدقيق

باسل حميدي

باسل حميدي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة