تعديل بسيط على نسبية أينشتاين قد يغير فهمنا للانفجار العظيم!
تقترح ورقة بحثية جديدة في الفيزياء تعديلات على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، قد تُسهم في حلّ إحدى أكبر المشكلات المتعلقة بفهمنا للانفجار العظيم. يُوصَف الانفجار العظيم غالبًا بأنه اللحظة التي بدأ فيها كل شيء. نقطة ذات كثافة لانهائية حيث انهارت قوانين الفيزياء، لكن ماذا لو كانت هذه الصورة غير مكتملة؟
تقترح دراسة جديدة تفسيرًا مختلفًا لنشأة الكون: فبدلًا من البداية المفاجئة من نقطة متفردة، كما تنبأت نظرية النسبية العامة لأينشتاين، ربما يكون الكون المبكر قد مرّ بمرحلة طاقة عالية أكثر تحكمًا، تخضع لنظرية جاذبية مُعدّلة، تُعرف باسم QQG.
مصطلح QQG هو اختصار لنظرية الجاذبية الكمومية التربيعية، كما أوضح نيايش أفشوردي، أستاذ الفيزياء بجامعة واترلو ومعهد بيريميتر للفيزياء النظرية. هي امتداد لنظرية أينشتاين للجاذبية، تتضمن حدودًا إضافية تكتسب أهمية بالغة عند الطاقات العالية جدًا، كتلك التي كانت موجودة في بدايات الكون.
لماذا نظرية أينشتاين ليست كافية؟
حققت نظرية النسبية العامة لأينشتاين نجاحًا باهرًا في وصف الجاذبية على نطاقات واسعة، إذ تفسر حركة الكواكب، وسلوك الثقوب السوداء، وتوسع الكون، لكن تواجه صعوبة في تفسير عالم ميكانيكا الكم فائق الصغر، ويُعتقد على نطاق واسع أنها تحتوي على بعض التناقضات الجوهرية.
يقول أفشردي: تكمن المشكلة الرئيسية في أن نظرية النسبية العامة لأينشتاين تتنبأ بفشلها في ظل ظروف قاسية، وأشهرها عند نقطة التفرد في الانفجار العظيم. تصبح الكثافات وانحناء الزمكان لانهائيين عند تلك النقطة، وهو مؤشر واضح على أن النظرية غير مكتملة. لطالما سعى الفيزيائيون لإيجاد إطار أعمق لوصف الجاذبية في ظل هذه الظروف.
ما يجعل الجاذبية الكمومية التربيعية مثيرة للاهتمام هو أنها قد توفر طريقة متسقة رياضيًا لوصف الجاذبية على مسافات قصيرة جدًا وطاقات عالية جدًا، إذ يُتوقع أن تنهار النسبية العامة التقليدية. هذا يعني توفير مسارًا محافظًا محتملًا نحو نظرية الكم للجاذبية، مع البقاء قريبًا من نظرية أينشتاين على المقاييس العادية.
كون بدون تفرد
استكشف الباحثون في دراسة جديدة كيف يُمكن لنظرية الجاذبية التربيعية أن تُعيد تشكيل اللحظات الأولى للكون إذا كانت بالفعل استكمالًا صحيحًا لنظرية أينشتاين. تشير نتائجهم إلى أن الكون ربما لم يبدأ من نقطة واحدة على الإطلاق.
تتمثل نتيجتنا الرئيسية في أنه في ظل الجاذبية التربيعية، يُمكن للكون في مراحله الأولى تجنب نقطة التفرد المعتادة للانفجار العظيم، وأن يمر بدلًا من ذلك بمرحلة طاقة عالية أكثر تحكمًا.
سيبدأ الكون تكوين أكثر سلاسة واستقرارًا بكثافة ودرجة حرارة محدودتين، بدلًا من أن ينشأ من حالة كثافة لانهائية، إذ تعتمد خصائصه الدقيقة على الجسيمات والمجالات الموجودة عند طاقات ودرجات حرارة عالية للغاية. هذا يُجنّبنا أحد أكثر تنبؤات علم الكونيات التقليدي إثارةً للقلق. وتُقدم النظرية منظورًا جديدًا للتضخم الكوني، وهي الفترة القصيرة من التوسع السريع للغاية التي يُعتقد أنها حدثت بعد الانفجار العظيم مباشرةً.
يمكن لهذا الإطار في تحليلنا أن يُولّد فترة شبيهة بالتضخم الكوني دون الحاجة إلى إدخال حقل افتراضي إضافي يدويًا.
يُعزى التضخم الكوني عادةً إلى حقل غامض يُعرف باسم الإنفلاتون في النماذج التقليدية. لم يُرصد هذا الحقل مباشرةً قط. في المقابل، تُنتج نظرية الجاذبية الكمومية التضخم طبيعيًا، نتيجةً للجاذبية نفسها.
قد تنشأ بعض العناصر الأساسية التي نضيفها عادةً بشكل منفصل إلى علم الكونيات مباشرةً من نظرية الجاذبية نفسها.
من الفيزياء الغريبة إلى الكون المألوف
إحدى السمات اللافتة للنظر في نظرية الجاذبية الكمومية التربيعية هي اختلاف سلوكها اختلافًا كبيرًا تبعًا لمستوى الطاقة، فعند الطاقات العالية جدًا، تخضع لقواعد كمومية جديدة. لكن مع تمدد الكون وبرودته، تعود إلى الفيزياء المألوفة التي وصفها أينشتاين.
تشير النظرية إلى أن الجاذبية تصبح أبسط عند الطاقات العالية جدًا -خاصية تُعرف بالحرية التقاربية- قبل أن تتطور إلى الشكل الذي نرصده اليوم. يدخل الكون في المرحلة الساخنة المليئة بالإشعاع التي يصفها علم الكونيات القياسي في نهاية المطاف. يوفر هذا الإطار جسرًا متصلًا بين كون مبكر غريب وفيزياء الأزمنة اللاحقة التي خضعت لاختبارات مكثفة، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن اختبار هذه الفكرة؟
قال أفشردي: نعم، من حيث المبدأ على الأقل. تأتي الاختبارات الواعدة من علم الكونيات، خاصةً من بصمة الكون المبكر على موجات الجاذبية البدائية وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي. تحمل هذه الإشارات القديمة معلومات عن اللحظات الأولى للكون. ينبغي أن تحتوي هذه الإشارات على اختلافات دقيقة مقارنةً بتوقعات نماذج التضخم الكوني التقليدية وفقًا للنظرية الجديدة.
أشار أفشردي إلى أن أحد الجوانب المثيرة للاهتمام في هذا السيناريو، هو أنه قد يُفضي إلى تنبؤات مميزة لإشارة موجات الجاذبية التي نشأت في الكون المبكر. قد تبدأ القياسات المستقبلية لموجات الجاذبية البدائية بتمييز هذا النوع من النماذج عن سيناريوهات التضخم الكوني التقليدية مع تحسن حساسية الرصد خلال السنوات والعقود القادمة.
تقدم الفكرة احتمالًا قويًا رغم أنها قيد البحث: إن الانفجار العظيم ربما لم يكن بدايةً واحدة، بل جزءًا من وصف كمي أعمق للجاذبية. إذا تأكدت هذه النظرية، فقد يُعيد هذا الإطار تشكيل فهم العلماء لأصل الكون، مُستبدلًا انهيار الفيزياء بصورة جديدة شاملة لبدايات الكون.
المصادر:
الكاتب
محمد الشرقاوي
