تلسكوب جيمس ويب الفضائي يرصد جسم أحمر غريب ظهر بعد 90 مليون سنة من الانفجار العظيم وقد يعيد كتابة تاريخ الكون
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي جسمًا أحمر غامضًا تشكّل في بدايات الكون، بعد مرور نحو 90 مليون سنة فقط على الانفجار العظيم وهي فترة تُعدّ وجيزة وسريعة بمقاييس الزمن الكوني.
لكن ما هو هذا الجسم الغريب؟ هل هو أقدم مجرّة عرفها العلم حتى الآن، أم ثقب أسود بدائي، أم قزم بنّي بارد فشل في أن يصبح نجمًا؟
يحمل هذا الجسم الذي حير العلماء الاسم العلمي CEERS ID U-100588، وقد أطلق عليه فريق الباحثين الدوليين اسم كابوتاورو (Capotauro)، تيمنًا بجبل إيطالي، بعد اكتشافه ضمن بيانات مشروع الرصد العلمي المبكر لتطور الكون (CEERS).
تتفرع الاحتمالات لتحديد هذا الجسم ليكون أولها أنه أقدم من أقدم مجرة معروفة حتى الآن.
إذا تأكدنا أن كابوتاورُو مجرّة بالفعل، فسيكون بذلك أقدم من أقدم المجرّات المعروفة حاليًا وهي مجرّة MoM-z14 بنحو 110 ملايين سنة، إذ بدأت تلك الأخيرة تتكوّن بعد 280 مليون سنة من الانفجار العظيم.
لطالما افترض العلماء أن أُولى المجرات ظهرت بعد مئات الملايين من السنين من نشأة الكون، لكن هذا الاكتشاف الجديد قد يقلب هذه الفرضية رأسًا على عقب، ويعيد النظر في فهمنا لتكوّن المجرّات وتطورها المبكر في الكون.
بينما يميل الاحتمال الثاني إلى تفسيره على أنه نجم فاشل أو كوكب حرّ.
مع ذلك، لا يستبعد العلماء أن يكون كابوتاورُو شيئًا آخر تمامًا كقزم بنّي، أي جسم دون نجمي لا يمتلك كتلة كافية لبدء تفاعلات الاندماج النووي التي تُبقي النجوم متوهّجة.
تُعرف الأقزام البنية أحيانًا بأسم النجوم الفاشلة لأنها تبعث القليل جدًا من الضوء والطاقة، وغالبًا ما يأتي توهّجها الضعيف من الحرارة المخزّنة في داخلها منذ تكوّنها الأول من سحب الغاز المنهارة.
للتأكد من هذا الاحتمال، حلّل الباحثون شكل كابوتاورُو وسطوعه، لكن الرؤية كانت ضبابية للغاية حتى في أعلى دقة تلسكوب جيمس ويب. مع ذلك، أظهرت أطياف الضوء القادمة منه خط امتصاص واضحًا وهو دليل على أن بعض الجزيئات في داخله تمتص أطوالًا معينة من الضوء، مثل الهيدروجين الذي يترك بصمته بخط امتصاص يُعرف بـ «هيدروجين-ألفا (Hα)».
وهذا لا ينفي فرضية القزم البنّي، لكنه يفتح الباب لاحتمال آخر مذهل وهو أن يكون كابوتاورُو كوكبًا غازيًا سائرًا حرًا (rogue planet)؛ أي كوكبًا تائهًا في الفضاء لا يدور حول نجم.
وقد سبق لتلسكوب جيمس ويب أن رصد بالفعل ستة كواكب حرة في المجرّة NGC 1333.
ووفقًا لدراسة نشرها الفريق على موقع الأبحاث arXiv، فإن خصائص كابوتاورُو قد تتوافق مع كونه قزمًا بنّيًا شديد البرودة، أو كوكبًا سائرًا حرًا يتميّز بمزيج غير مسبوق من البرودة والمسافة الهائلة. لكن الاحتمال الأخير والأكثر إثارة هو أن كابوتاورُو مجرّة حقيقية غارقة في الغبار الكوني. فالغبار يعمل على تشتيت الضوء الأزرق القصير الموجة، ما يجعل الجسم يبدو أكثر احمرارًا نظرًا لأن الضوء الأحمر ذو الطول الموجي الأطول يمرّ عبر الغبار بسهولة أكبر. وهذه السمة تحديدًا لوحظت في أجسام صغيرة يُطلق عليها العلماء اسم النقاط الحمراء الصغيرة (Little Red Dots)، التي يُعتقد أن بعضها ثقوب سوداء متخفية داخل الغبار.
تتميّز هذه الأجسام بخصائص طيفية غريبة وبانبعاثات منخفضة للأشعة السينية، وهي خصائص مشابهة لتلك التي تصدر عن أقراص التراكم المحيطة بالثقوب السوداء.
ويُرجّح بعض الباحثين أن الثقوب السوداء الأولى في الكون تشكّلت من كتل ضخمة من الغاز والغبار انهارت على نفسها قبل أن تتحوّل إلى نجوم، ثم نمت سريعًا لتصبح وحوشًا كونية جبارة. ومع ذلك، يُعدّ كابوتاورُو أكثر غرابة من النقاط الحمراء الصغيرة المعتادة، إذ إنه أشد احمرارًا من المتوسط، ولم تكشف خصائصه عن هويته بوضوح، لذلك لا يزال يحتفظ بغموضه.
ويختتم الباحثون دراستهم بقولهم: «على الرغم من أن الملاحظات الحالية لا يمكنها تحديد طبيعة كابوتاورُو بدقة، إلا أن تحليلاتنا تشير إلى أنه جسم فريد على نحو استثنائي في جميع السيناريوهات الممكنة. وهذا يجعله هدفًا مثيرًا للغاية لمتابعة الرصد في المستقبل».
ومثل هذا الاكتشاف يؤكد أن تلسكوب جيمس ويب لا يكتفي بالنظر إلى الماضي فحسب، بل يعيد كتابة تاريخ الكون نفسه.
المصادر:
الكاتب
طيبة غازي
تدقيق
سلمى توفيق
