رصد ثقوب سوداء نادرة باستخدام موجات الجاذبية
رصد فريق من علماء الفلك أدلة قوية على وجود ثقوب سوداء نادرة من الجيل الثاني، يُعتقد أنها تشكلت نتيجة اندماج ثقوب سوداء سابقة.
جرى هذا الاكتشاف بفضل أجهزة رصد موجات الجاذبية التابعة للتعاون الدولي LIGO-Virgo-KAGRA، وجاءت تفاصيل النتائج في دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة Astrophysical Journal Letters. تُعد موجات الجاذبية، وهي تموجات دقيقة في نسيج الزمكان، دلالةً على ظواهر فائقة الطاقة والعنف في الكون، مثل تصادم الثقوب السوداء أو اندماج النجوم النيوترونية. وقد تنبأ بها ألبرت أينشتاين في نظريته العامة للنسبية عام 1916، إلا أن رصدها المباشر لم يتحقق إلا عام 2015. تنتقل هذه الموجات بسرعات تقارب سرعة الضوء، ويمكن بتحليل خصائصها الفيزيائية معرفة طبيعة الأجسام أو الأحداث التي أطلقتها.
حدثان غامضان عام 2024
رُصد في شهري أكتوبر ونوفمبر 2024 حدثان غير مألوفين لموجات الجاذبية، كشفا عن خصائص غير اعتيادية في الثقوب السوداء التي نتجت عنهما.
الحدث الأول، GW241011، نتج من اندماج ثقبين أسودين، تبلغ كتلة الأكبر منهما نحو 17 ضعف كتلة الشمس، والأصغر نحو 7 أضعاف كتلتها. المثير أن الثقب الأكبر كان من أسرع الثقوب السوداء دورانًا قيست حتى اليوم. حدث هذا الاندماج على بُعد نحو 700 مليون سنة ضوئية من الأرض.
أما الحدث الثاني، GW241110، فقد سُجل على مسافة تُقدَر بـ 2.4 مليار سنة ضوئية، ونتج عن اندماج ثقبين أسودين بكتلتين تعادلان 16 و8 كتل شمسية على التوالي.
يُعد هذا الحدث فريدًا من نوعه، إذ يُعد الثقب الأسود الأكبر فيه أول ثقب يُرصد وهو يدور في الاتجاه المعاكس لاتجاه مداره. تشير كلتا الحالتين أيضًا إلى ظاهرة نادرة، وهي اندماج ثقوب سوداء لتشكيل ثقب أسود جديد من الجيل الثاني. يقول البروفيسور ستيفن فيرهرست، المتحدث باسم تعاون LIGO وأستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة كارديف البريطانية: «يُعد الحدثان GW241011 وGW241110 من بين أكثر الأحداث تفردًا ضمن مئات الموجات التي رصدتها شبكة LIGO–Virgo–KAGRA. فوجود ثقب أسود ضخم وسريع الدوران إلى جانب آخر أصغر منه بكثير، يشير بقوة إلى أن هذه الثقوب السوداء قد تشكلت من اندماجات سابقة».
يقول كارل-يوهان هاستر، المشارك في الدراسة من جامعة نيفادا لاس فيغاس (UNLV) في الولايات المتحدة: «تنبأت النماذج السابقة بوجود أنظمة ثنائية كهذه بناءً على مشاهدات سابقة، لكن للمرة الأولى نحصل على دليل مباشر على وجودها. فكل رصدٍ جديد يمنحنا نظرة أعمق إلى الكون، ويعمل في الوقت نفسه مختبرًا طبيعيًا لاختبار القوانين الأساسية للفيزياء».
كشفت عمليات الرصد أيضًا عن ترددات توافقية أعلى ضمن موجات الجاذبية، تشبه في انتظامها التناغمات الموسيقية. وهي المرة الثالثة فقط التي تُرصد فيها مثل هذه الترددات، ما يُعد برهانًا جديدًا يعزز صحة تنبؤات أينشتاين بشأن وجود هذه التوافقيات في موجات الجاذبية.
يقول هاستر: «إن قدرتنا على رصد هذه الترددات العالية تُظهر مدى حساسية أدواتنا الحالية، وتجعلنا أكثر استعدادًا لاكتشاف أي ظاهرة جديدة تتجاوز نظرية النسبية العامة».
إن دراسة الثقوب السوداء التي تدور بسرعات هائلة قد توفر أيضًا بيانات مهمة تساعد في البحث عن جسيمات أولية جديدة، مثل البوزونات فائقة الخفة المفترضة، التي لا تندرج ضمن النموذج القياسي الحالي لفيزياء الجسيمات.
«تُبرز هذه الاكتشافات القدرات الاستثنائية والعالية لمراصد موجات الجاذبية حول العالم. فأنماط الدوران غير المألوفة التي رُصدت في الحدثين GW241011 وGW241110 لا تتحدى فقط فهمنا لتشكل الثقوب السوداء، بل تُقدم أيضًا أدلة مقنعة على حدوث اندماجات متسلسلة في بيئات كونية كثيفة. إنها تُعلمنا أن بعض الثقوب السوداء لا توجد أزواجًا معزولة، بل أعضاء ضمن تجمعات كونية ديناميكية نشطة».
«تُبرز هذه الاكتشافات أهمية التعاون الدولي في الكشف عن أكثر الظواهر الكونية غموضًا في الكون».