الكشف عن أول خريطة لحدود الشمس الخارجية
توصل فريق من العلماء من دول مختلفة بالاعتماد على بيانات مشتركة من عدة مركبات فضائية موزعة في أنحاء نظامنا الشمسي، إلى إعداد أدق الخرائط حتى الآن لحدود الشمس الخارجية، التي يتوقف عندها التأثير المغناطيسي للشمس عن تسريع الرياح الشمسية.
يُعرف هذا الحد باسم سطح ألفين (Alfvén Surface)، وقد نجح الباحثون في تحديد شكله الهندسي، إضافةً إلى تتبع تطوره الزمني خلال النصف الأول من الدورة الشمسية الخامسة والعشرين، وهي الدورة الحالية للنشاط الشمسي التي تشهد تصاعدًا ثم انحسارًا في نشاط البقع الشمسية والتوهجات والانبعاثات الكتلية الإكليلية على مدى أحد عشر عامًا.
تُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي يُعاد فيها بناء هذه البنية الديناميكية بتواصل اعتمادًا على قياسات متعددة المصادر من مركبات فضائية مختلفة، ما يوفر بيانات أساسية لفهم الفيزياء المعقدة للغلاف الجوي الشمسي شديد الحرارة.
يشير الفيزيائي الفلكي سام بادمان، من مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية، المؤلف الرئيس للدراسة، إلى أن بيانات مسبار باركر الشمسي المأخوذة من مناطق تقع أسفل سطح ألفين قد تسهم في الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بهالة الشمس، لا سيما سبب ارتفاع درجة حرارتها إلى مستويات تفوق بكثير سطح الشمس ذاته، ما يُسمى «لغز تسخين الهالة»، مؤكدًا أن تحديد الموقع الدقيق لهذا الحد يمثل خطوة أساسية لتحقيق ذلك.
في الفيزياء الفلكية، يُعرف الحد الفاصل عادةً بأنه النقطة التي تتغير عندها القوانين الفيزيائية المسيطرة على سلوك البلازما. في حالة سطح ألفين، وهو مفهوم معروف منذ عقود، يمثل هذا الحد النقطة التي يضعف عندها الترابط المغناطيسي بين الشمس والرياح الشمسية إلى درجة لا تعود معها الاضطرابات البلازمية قادرة على الانتشار عكسيًا نحو الشمس، لتتحول الرياح الشمسية بعدها إلى تدفق حر غير مرتبط مغناطيسيًا بالنجم.
تُعد الرياح الشمسية تيارًا مستمرًا من الجسيمات المشحونة التي تنبعث من الشمس وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويشكل سطح ألفين منطقة الانتقال بين تدفق موجه بفعل الحقول المغناطيسية وتدفق حر، وتؤثر تغيراته البنيوية من تمدد وانكماش وتموج في طبيعة تفاعله مع الأرض والكواكب الأخرى، ما يجعله عنصرًا رئيسيًا في طقس الفضاء الذي قد ينعكس على أنظمة الاتصالات وشبكات الطاقة والأقمار الصناعية على كوكبنا.
أهم من ذلك أن الشمس هي النجم الوحيد الذي تتوافر لدينا وسائل مباشرة لدراسة سطح ألفين لديه، ويُعد مسبار باركر الشمسي الأداة الأساسية في هذا السياق. فمنذ عام 2021 نفذ المسبار عدة اقترابات عميقة اخترق خلالها سطح ألفين، وأرسل بيانات أكدت وجود ديناميكيات دون-ألفينية واضحة.
حلل الباحثون بيانات المسبار خلال فترات الحضيض الشمسي، وربطوها بأعمال رصد مركبة سولار أوربيتر، إضافةً إلى بيانات ثلاث مركبات فضائية متمركزة عند نقطة لاغرانج الأولى (L1)، التي وفرت معلومات دقيقة عن سرعة وكثافة ودرجة حرارة الرياح الشمسية ومجالها المغناطيسي.
أظهرت النتائج أن مسبار باركر كان في معظم اقتراباته يمر بمحاذاة انتفاخات سطح ألفين المضطرب، في حين لم يخترق هذا السطح بعمق إلا خلال غوصين وقعا في أثناء الذروة القصوى للنشاط الشمسي. بينت البيانات الممتدة على ست سنوات أن سطح ألفين تمدد بنحو 30٪ من متوسط ارتفاعه مع ازدياد النشاط الشمسي.
تؤكد هذه النتائج التنبؤات النظرية السابقة التي تشير إلى ازدياد تعقيد وامتداد هذا السطح مع تصاعد النشاط الشمسي. من المتوقع أن تسهم هذه المعطيات في تحسين فهم فيزياء الشمس، لا سيما مع استمرار المسبار في جمع بيانات إضافية خلال انتقال الشمس لأدنى نشاطها.
تتضمن هذه الدراسة دلالات أوسع لفهم النجوم الأخرى، إذ يُحتمل أن تمتلك النجوم ذات المجالات المغناطيسية الأقوى حدود ألفين أكبر، ما قد يؤثر في البيئات الكوكبية القريبة وإمكانات قابليتها لتكوين بيئة قابلة للعيش.