دراسة جديدة ترجح رصدنا لانفجار نوع فريد من الثقوب السوداء!
وصل الجنس البشري اليوم إلى موضع في التاريخ يخول له أن يرصد أحد الجسيمات عالية الطاقة القادمة من الفضاء، ويحاول أن يحدد مصدرها بالتحديد.
قد لا يكترث جزء كبير من الناس إطلاقًا لمثل هذه الأمور، لكن توجد بالمقابل شريحة منهم تملك فضولًا طبيعيًا، وتحظى بالوقت الكافي لتشبع فضولها هذا. هؤلاء الناس قد يثير اهتمامهم أن يعرفوا أن جسيم نيوترينو عالي الطاقة رُصد عام 2023، إذ يشكل هذا الرصد حدثًا استثنائيًا، يمكن وصفه أيضًا بالحدث التاريخي.
رصد هذا النيوترينو فائق الطاقة تلسكوب النيوترينو ذي الكيلومتر المكعب الذي يُشار إليه اختصارا بـ KM3NeT، ويتمركز في البحر الأبيض المتوسط. هذا الجسيم الذي بلغت طاقته 220 مليون جيغا إلكترون فولت (220 PeV)، يفوق في طاقته أي جسيم سبق إنتاجه في أقوى مسرع جسيمات لدينا: مصادم الهادرونات الكبير.
تُعد الشمس مصدرًا خصبًا للنيوترينوهات، فهي تُنتج تيارًا متواصلًا من هذه الجسيمات التي تسمى النيوترينوهات الشمسية، لكنها ليست عالية الطاقة. أما النيوترينو ذو المئة مليون جيغا إلكترون فولت، الذي أُطلق عليه اسم KM3-230213A، فيتجاوز بكثير النيوترينوهات الشمسية من حيث الطاقة، إذ إن طاقته أكبر بمليار ضعف من متوسط طاقة نيوترينو شمسي.
لا نعرف الكثير من الظواهر الفلكية التي تستطيع أن تنتج نيوترينو بهذه الطاقة، بل لا يوجد في الحقيقة حاليًا أي عملية مفهومة لنا جيدًا قد تفسر ذلك. تشمل بعض التفسيرات المحتملة الأحداث الفلكية البصرية قصيرة العمر التي تسببها النجوم النابضة، وانفجارات أشعة غاما، وعمليات تحلل المادة المظلمة، والنوى المجرية النشطة، واندماجات الثقوب السوداء، إضافةً إلى عدة تفسيرات أخرى تتعلق بأنواع مختلفة من الثقوب السوداء البدائية.
قدم مايكل بيكر، الأستاذ المساعد في الفيزياء بجامعة ماساتشوستس أمهيرست، في بحث جديد نُشر في مجلة Physical Review Letters تفسيرًا آخر لهذا الرصد، يقوم أيضًا على الثقوب السوداء البدائية. يحمل البحث عنوان: «تفسير تدفقات النيوترينوهات ذات المليون جيغا إلكترون فولت المرصودة في KM3NeT و IceCube باستخدام ثقوب سوداء بدائية شبه قصوية».
كتب مؤلفو الورقة: «رُصد مؤخرًا نيوترينو بطاقة تقارب 100 مليون جيغا إلكترون فولت بمرصد KM3NeT، رُصدت كذلك خمسة أخرى بمرصد IceCube بطاقات تتجاوز مليون جيغا إلكترون فولت. في حين أنه لا توجد مصادر فلكية معروفة يمكن أن تُنتج هذه الجسيمات عالية الطاقة، يُحتمل أن تكون قد صدرت عن ثقوب سوداء بدائية متفجرة».
الثقوب السوداء البدائية هي ظواهر افتراضية. تشير النظرية إلى أن نشأة هذه الثقوب السوداء، على عكس الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية، لا تتطلب انفجار نجم ضخم وانهياره، بل يُرجح أنها تشكلت مباشرةً بعد الانفجار العظيم انطلاقًا من تكتلات كثيفة للمادة دون الذرية، في زمن كانت فيه الفيزياء التي تحكم الكون مختلفة تمامًا.
تُعد هذه الثقوب السوداء صغيرة جدًا مقارنةً بالثقوب السوداء المألوفة، لكن كثافتها عالية للغاية، أيضًا فإن العبارة الشهيرة التي تقول: «لا شيء، ولا حتى الضوء، يستطيع الإفلات من الثقب الأسود»، تنطبق أيضًا عليها. ليست هذه العبارة الشيء الوحيد الذي يجمع بينهما، بل يشتركان كذلك في خاصية أخرى: إشعاع هوكينغ.
طرح هذه الفرضية ستيفن هوكينغ وسُميت تيمنًا به، وتنص على أن كتلة الثقب الأسود تتناقص بمرور الوقت بفعل إشعاع هوكينغ، وأنه في النهاية سيتبخر ما لم يكتسب ويراكم مادة إضافية.
يكون إشعاع هوكينغ عادةً ضعيفًا جدًا، إذ يوجد للأسف تحت عتبة الرصد حتى لأقوى التلسكوبات. لكن في حين أنه غير قابل للرصد بالنسبة إلى الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية، قد يختلف الأمر بشأن الثقوب السوداء البدائية الأخف بكثير.
تقول أندريا ثام، الأستاذ المساعد في الفيزياء بجامعة ماساتشوستس أمهيرست، المشاركة في البحث: «كلما كان الثقب الأسود أخف، كان أكثر سخونة، ومن ثم ستنتُج عنه جسيمات أكثر. تزداد الثقوب السوداء البدائية خفةً بفعل تبخرها، أي أنها تزداد سخونة، فتصدر عنها كمية أكبر من الإشعاعات في عملية متسارعة حتى تصل إلى الانفجار. هذا هو إشعاع هوكينغ الذي تستطيع التلسكوبات رصده».
عندما تتبخر الثقوب السوداء البدائية عبر إشعاع هوكينغ المتسارع، فإنها تصل في النهاية إلى مرحلة الانفجار، إذ تصبح في لحظاتها الأخيرة شديدة السخونة، فتتعرض لتبخُر انفجاري. يمكن لهذا الفصل الأخير من رحلة الثقوب السوداء البدائية أن يُنتج نيوترينوهات عالية الطاقة مثل نيوترينو KM3-230213A.
يظن الباحثون أن هذا قد يحدث مرةً كل عشر سنوات تقريبًا، وأن هذه الانفجارات قد تُنتج وفرة هائلة من الجسيمات دون الذرية المعروفة مثل الإلكترونات والكواركات، إضافةً إلى الجسيمات التي ما زالت تُعد افتراضية، وأخرى قد تكون غير معروفة لنا تمامًا.
يرى فريق البحث أن نيوترينو KM3-230213A قد يشكل دليلًا على ظاهرة تبخر الثقوب السوداء البدائية. لكن هناك مشكلة: لا يوجد أي حدث يتعلق برصد هذا النيوترينو في مرصد IceCube، بل في الواقع، لم يرصد هذا التلسكوب أبدًا أي نيوترينو يقترب في طاقته من KM3-230213A. أليس من المفترض، إن كان تبخر الثقوب السوداء البدائية يحدث بالفعل كل عشر سنوات، أن يرصد IceCube ولو حدثًا واحدًا على الأقل، خصوصًا أنه يقوم بعمليات الاستطلاع منذ عشرين سنة؟
يظن الباحثون أن الأمر قد يتعلق بنوع غير معتاد من الثقوب السوداء البدائية. يقول الباحث المشارك جواكيم إيغواز خوان: «نظن أن الثقوب السوداء البدائية ذات الشحنة المظلمة، التي تُعرف باسم الثقوب السوداء شبه القصوية، هي الحلقة المفقودة».
يضيف الباحثون أن هذه الثقوب السوداء البدائية ذات الشحنة المظلمة، وهي أساسًا نسخة افتراضية من الإلكترونات، ثقيلة جدًا تسمى الإلكترونات المظلمة، تكون معظم الوقت في حالة شبه قصوية. يكون الثقب الأسود البدائي في هذه الحالة تقريبًا عند الحد الأقصى الممكن لنسبة الشحنة إلى الكتلة.
إن كلًا من مرصدي IceCube وKM3NeT مُدوزن لرصد أحداث ضمن نطاقات طاقية مختلفة، إذ إن مرصد IceCube يستطيع رصد جسيمات لا تتعدى طاقتها حد 10 مليون جيغا إلكترون فولت، ما قد يفسر سبب عدم رصده لنيوترينو KM3-230213A.
يرى بيكر أن التعقيد الكبير الذي تتميز به الثقوب السوداء البدائية ذات الشحنة المظلمة، يمنح التفسير الذي قدمه فريقُه المزيد من الموثوقية، يقول: «إن نموذج الشحنة المظلمة معقد جدًا، ما قد يجعله يقدم تمثيلًا أدق للواقع. رؤية أن نموذجنا له القدرة على تفسير هذه الظاهرة التي بدت غير قابلة للتفسير أمر مثير حقًا».