دراسة جديدة تنجح في الربط بين الفيزياء الكلاسيكية وميكانيكا الكم
عندما تقذف كرةً في الهواء، ستمكنك معادلات الفيزياء الكلاسيكية من حساب المسار الذي تسلكه الكرة وهي تسقط بدقة، إضافةً إلى موقع وتاريخ سقوطها. لكن إذا افترضنا أن لها حجم ذرة أو حتى أصغر من ذلك، فإن سلوكها في هذه الحالة يتجاوز كل ما يمكن للفيزياء الكلاسيكية التنبؤ به. أو هكذا كنا نظن حتى الآن. فقد بين علماء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أنه يمكن استخدام بعض المفاهيم الرياضية التي تستعملها الفيزياء الكلاسيكية لوصف السلوك الغريب وغير البديهي الذي يحدث في مقياس الجسيمات دون الذرية.
أوضح الفريق في ورقة بحثية نُشرت اليوم في دورية Proceedings of the Royal Society، أنه يمكن بالفعل حساب حركة جسم كمومي بتطبيق مفهوم من الفيزياء الكلاسيكية يُعرف باسم الفعل الأدنى. وأثبتوا قدرتهم على الوصول إلى النتيجة ذاتها التي تقدمها معادلة شرودنجر في عدد من السيناريوهات الكمومية الأولية، مثل تجربة الشق المزدوج والنفق الكمومي.
صار ممكنًا الآن وصف هذه الظواهر الغامضة التي كانت تُفهم سابقًا فقط من خلال معادلات ميكانيكا الكم، باستعمال النموذج الكلاسيكي الجديد الذي طوره الفريق. تتجلى أهمية هذا الإنجاز في أن الباحثين قد نجحوا في بناء جسر رياضي دقيق يربط بين العالم الكلاسيكي المعتاد والعالم الكمي الذي تتضح معالمه في أبعاد أصغر من الذرة.
قال وينفريد لوميلر، الباحث في مختبر الأنظمة غير الخطية في MIT، أحد المشاركين في الدراسة: «لم يكن هناك سابقًا سوى جسر هش لا يصلح إلا للجسيمات الكمومية الكبيرة نسبيًا. أما الآن، بات لدينا جسر متين يتأسس على وسيلة صالحة لجميع المقاييس من أجل دراسة كل من ميكانيكا الكم والميكانيكا الكلاسيكية والفيزياء النسبية».
أكد الباحث المشارك في الدراسة جان جاك سلوتين، أستاذ الهندسة الميكانيكية وعلوم المعلومات وعلوم الدماغ والإدراك في MIT: «لا نقول في هذه الدراسة أن ميكانيكا الكم تعاني خللًا، بل نحن فقط نعطي طريقة مختلفة لحساب ميكانيكا الكم، تعتمد على أفكار كلاسيكية معروفة دمجناها معا بأسلوب مبسط».
إلى اللانهاية وما بعدها
اشتق سلوتين ولوميلر هذا «الجسر الكمومي» في أثناء عملهما على معضلات كلاسيكية بحتة، إذ إن الباحثان ينتميان إلى مختبر الأنظمة غير الخطية في MIT الذي يديره سلوتين، إذ يعمل هو وزملاؤه على تطوير نماذج لوصف السلوكيات المعقدة للأنظمة في مجالات التحكم في الروبوتات والطائرات وعلوم الأعصاب والتعلم الآلي. وغالبًا ما يلجأ المهندسون من أجل التنبؤ بسلوك مثل هذه الأنظمة إلى معادلة هاميلتون-جاكوبي، التي تُشكل إحدى الصيغ الرئيسية للميكانيكا الكلاسيكية.
تمثل معادلة هاميلتون-جاكوبي حركة جسم ما بوصفها عملية تقليل لكمية فيزيائية تُسمى (الفعل) إلى حدها الأدنى. فإذا أخذنا على سبيل المثال وضعية بسيطة تُقذف فيها كرة من نقطة (أ) إلى نقطة (ب)، يمكن نظريًا للكرة أن تسلك عددًا لانهائيًا من المسارات المتعرجة بين النقطتين، لكن المعادلة تنصُ على أن المسار الفعلي هو الذي يحقق «الفعل الأدنى» للكرة في كل نقطة منه.
يشير مصطلح الفعل في هذا المثال إلى المجموع الزمني للفارق بين الطاقة الحركية للجسم -الطاقة المولدة للحركة- وطاقته الكامنة -الطاقة المخزنة فيه. على هذا، فإن المسار الفعلي الذي تسلكه الكرة بين النقطتين يمثل سلسلة المواقع التي يكون فيها الفارق الإجمالي بين الطاقة الحركية والكامنة في أدنى مستوياته.
كان سلوتين ولوميلر يطبقان معادلة هاميلتون-جاكوبي ومبدأ الفعل الأدنى على عدد من الوضعيات الميكانيكية الخاضعة لمجموعة من القيود، عندما أدركا أن المعادلة، مع بعض التوسعات الرياضية، يمكنها حل وضعية مشهورة في ميكانيكا الكم تُعرف بتجربة الشق المزدوج.
تُمثل تجربة الشق المزدوج واحدًا من السلوكيات الغريبة غير الكلاسيكية التي تظهر في العالم الكمي، فعندما يُقذف فوتون على صفيحة معدنية حُفر عليها ثقبان، يجب أن تظهر، حسب الفيزياء الكلاسيكية، نقطة ضوئية على الشاشة خلف الشقين، هذا بافتراض أن الفوتون مر سالكًا مسارًا وحيدًا عبر أحد الشقين.
لكن التجربة لا تُظهر نقطة ضوئية واحدة بل سلسلة من الخطوط المضيئة والمظلمة بالتناوب. هذا النمط المخالف للتوقعات ينتج عن ظاهرة في ميكانيكا الكم يسلك فيها الفوتون أكثر من مسار في الوقت نفسه، إذ عند قذف الفوتون نحو الصفيحة ذات الشقين، يستطيع أن يعبر من الثقبين معًا في آن واحد، سالكًا مسارين مختلفين ينتهيان إلى التداخل بينهما. إن نمط الخطوط الناتج يستلزم أن تكون لمساري الفوتون المتداخلين طبيعة موجية، من ثم تُثبت التجربة كيف يمكن للجسيم الكمومي أن يتصرف، على نحو غير متوقع موجةً أيضًا.
حاول علماء الفيزياء، منذ اكتشاف ميكانيكا الكم، تفسير تجربة الشق المزدوج باستخدام عناصر من الفيزياء الكلاسيكية، لكنهم لم ينجحوا إلا في تقديم نتائج تقريبية فقط، ومنهم العالم الشهير ريتشارد فاينمان الذي وجد بدوره أن المهمة مستحيلة. إذ افترض أنها تستلزم دراسة كل مسار محتمل نظريًا للفوتون وحساب متوسط هذه المسارات، سواء كان خطًا مستقيمًا أو مجموعة من المسارات المتعرجة عبر كلا الشقين. يتطلب مثل هذا العمل حساب عدد لا نهائي من المسارات المحتملة، التي تتعارض جميعها مع المسارات الكلاسيكية المنتظرة.
هذه النقطة الأخيرة هي ما توقف عنده كل من سلوتين ولوميلر، ففي حين تفترض الفيزياء الكلاسيكية ضرورة اتخاذ الجسم لمسار واحد فقط من النقطة (أ) إلى (ب)، تسمح له ميكانيكا الكم باتخاذ مسارات وحالات متعددة في الوقت ذاته، حسب خاصية كمومية أساسية تُعرف باسم التراكب، دفعتهما إلى التساؤل عن إمكانية إبقاء الفيزياء الكلاسيكية على فكرة المسارات المتعددة هذه، ولو رياضيًا على الأقل. وعليه استنتجا أنه لم تعد هناك حاجة لحساب عدد لا نهائي من المسارات، بل إن عددًا صغيرًا من المسارات الكلاسيكية القائمة على مبدأ الفعل الأدنى قد يؤدي إلى نتيجة ميكانيكا الكم ذاتها.
لهذا عاد الباحثان إلى معادلة هاميلتون-جاكوبي وعملا على تكييف مبدأ الفعل الأدنى مع هذه النقطة بغرض تقديم حل لتجربة الشق المزدوج وغيرها من الظواهر الكمومية.
مصير الجسيم يكمن في كثافته
أضاف الفريق إلى دراستهم عنصرًا آخر من عناصر الفيزياء الكلاسيكية هو كثافة الاحتمال التي تعطي احتمالية اتخاذ مسار معين. أوضح لوميلر ذلك قائلًا: «إننا ننظر إلى الكثافة من منظور ديناميكا السوائل، خُذ مثلًا تجربة الشق المزدوج، وتخيل أنك توجه خرطوم مياه نحو الجدار، ستجد أن معظم المياه يصطدم بالمركز، لكن هذا لا يمنع أن تتجه بعض القطرات أيضا نحو الجوانب. إن الكثافة العالية للمياه في المركز تعني وجود احتمالية كبيرة للعثور على قطرة مياه في ذلك المسار. على هذا يوجد توزيع إحصائي معين يمكننا حسابه».
عدل الفريق معادلة هاميلتون-جاكوبي لتشمل عناصر للكثافة والمسارات المتعددة التي تحقق الفعل الأدنى، وطبقوها على تجربة الشق المزدوج. ووجدوا عند استعمالها أنهم لم يحتاجوا إلا إلى النظر في مسارين كلاسيكيين فقط، مقارنةً بالعدد اللانهائي من المسارات المتعرجة الذي افترضه فاينمان. أفضت هذه الحسابات في نهاية الأمر إلى دالة موجية -أو توزيع للمسارات الأكثر احتمالًا التي يمكن للفوتون اتخاذها- مطابقة تماما للدالة التي تنتج من معادلة شرودنجر.
قال سلوتين: «لقد أثبتنا أن معادلة شرودنجر في ميكانيكا الكم ومعادلة هاميلتون-جاكوبي في الفيزياء الكلاسيكية تتطابقان عند إجراء حساب مناسب للكثافة. إن هذه نتيجة رياضية بحتة، لا نزعم أن الظواهر الكمومية تحدث في المقاييس الكلاسيكية، بل نقول أنه بالإمكان حساب هذا السلوك الكمومي باستخدام أدوات كلاسيكية بسيطة».
أظهر الباحثان أن المعادلة تستطيع أن تتنبأ أيضًا بسلوكيات كمومية أخرى، مثل النفق الكمومي، الذي تخترق بموجبه جسيمات مثل الإلكترونات حواجز طاقية يستحيل تجاوزها وفقًا للفيزياء الكلاسيكية. وتمكنا من اشتقاق الدالة الموجية للإلكترون في ذرة هيدروجين انطلاقًا من المدار الفلكي الكلاسيكي للكواكب. وأخيرًا راجعا تجربة (Einstein-Podolski-Rosen) الشهيرة التي دشنت دراسة التشابك الكمي.
يتوقع الفريق أن يستخدم العلماء هذه الصيغة الجديدة طريقةً مُبسطة للتنبؤ بسلوك عدة أنظمة وأجهزة كمومية، إذ أضاف سلوتين: «قد تكون لهذا العمل آثار مهمة في مجال الحوسبة الكمومية إذ تمتلك البيتات الكمومية طاقات غير خطية يلجأ علماء الفيزياء إلى تقريبها، أو في فهم المشكلات التي تجمع بين الفيزياء الكمومية والنسبية العامة على نحو أفضل. أصبح بمقدورنا الآن، نظريًا على الأقل، توصيف هذا السلوك الكمومي على نحو دقيق باستخدام أدوات كلاسيكية بسيطة، وإثبات أنه ليس بهذا الغموض في نهاية المطاف».