رصد أول دليل مباشر محتمل على وجود المادة المظلمة
قدمت دراسة حديثة أول دليل مباشر محتمل على المادة المظلمة، وذلك برصد انبعاثات من أشعة غاما تتوافق خصائصها الطيفية والمكانية مع تلك المتوقعة من تفاعلات الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل (WIMPs)، وهي أحد أبرز النماذج المرشحة لتمثيل المادة المظلمة.
كيف ظهرت المادة المظلمة في الأوساط العلمية؟
منذ ثلاثينيات القرن الماضي، شكلت المادة المظلمة أحد أهم المكونات غير المفهومة في النموذج الكوني. فقد لاحظ عالم الفلك فريتز زفيكي أن المجرات في عنقود كوما تتحرك بسرعات تفوق ما يسمح به مجموع المادة المرصودة للحفاظ على تجمعها وعدم انهيارها في الفضاء، ما دفعه إلى اقتراح وجود مادة غير مرئية.
على مدى عقود تزايدت الأدلة غير المباشرة من ضمنها العدسات الجذبوية وتوزيع المجرات على وجود هذه المادة، إلا أن الرصد المباشر لتفاعلاتها ظل غير ممكن.
يفترض النموذج الأكثر شيوعًا أن المادة المظلمة تتكون من جسيمات WIMPs التي لا تتفاعل إلا بقوة الجاذبية والقوة الضعيفة ما يجعل اكتشافها تحديًا تجريبيًا كبيرًا.
منهج الدراسة الجديدة
نُشرت الدراسة في مجلة علم الكونيات وفيزياء الجسيمات الفلكية وقادها الباحث تومونوري تاتاني من جامعة أوساكا.
اعتمد الفريق البحثي على تحليل بيانات تلسكوب فيرمي الفضائي لأشعة غاما، الذي يراقب الانبعاثات عالية الطاقة في الكون منذ عام 2008. ركز التحليل على منطقة مركز مجرة درب التبانة، وهي منطقة يُعتقد أنها غنية بتفاعلات المادة المظلمة نظرًا لكثافة وقوة الجاذبية فيها.
كشف التحليل عن بنية ممتدة لانبعاثات أشعة غاما بطاقة تبلغ 20 غيغا إلكترون فولت، تتخذ شكلًا يشبه «الهالة» وهو النمط المتوقع نظريًا من انبعاثات ناجمة عن تلاشي جسيمين من WIMPs عند اصطدامهما.
تتوافق الطاقة المقاسة للفوتونات مع تلاشي جسيمات WIMPs ذات كتلة تقارب 500 ضعف كتلة البروتون، وهي قيمة تقع ضمن نطاق التنبؤات النظرية.
إضافةً إلى أن الانبعاثات تُظهر نمطًا زاويًا ينسجم مع التوزيع المتوقع لهالة المادة المظلمة في مركز المجرة.
يشير الباحثون إلى أن الانبعاثات لا يمكن تفسيرها بسهولة عبر مصادر فلكية مألوفة، مثل بقايا المستعرات العظمى أو النجوم النابضة، ما يعزز فرضية أن منشأها يرتبط بالمادة المظلمة.
صرح تاتاني: «إذا كانت هذه النتائج صحيحة فقد تمثل أول دليل مباشر على وجود جسيمات المادة المظلمة، وهو ما قد يفتح الباب أمام فيزياء جديدة تتجاوز النموذج المعتمد في فيزياء الجسيمات».
هل نتائج الدراسة كافية للجزم؟
رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة أن تفسير هذه الإشارات بوصفها انبعاثات ناتجة عن تلاشي WIMPs يتطلب تحققًا مستقلًا من قِبل فرق علمية أخرى. وينبغي رصد إشارات مشابهة في مواقع مختلفة من الكون خاصةً في المجرات القزمة داخل هالة درب التبانة، التي تُعد مختبرًا طبيعيًا لدراسة المادة المظلمة بسبب انخفاض مصادر الإشعاع التقليدية فيها.
قد يسهم كل من تلسكوب فيرمي نفسه أو مرصد مصفوفة تشارينكوف في توفير بيانات إضافية للتحقق من هذه النتائج.
لكن هذا لا يشكك في كون الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو إمكانية رصد المادة المظلمة مباشرةً، مع أنها ما تزال بحاجة إلى عملية تحقق صارمة قبل اعتماد نتائجها. وإذا ما جرى تأكيدها فقد يشكل ذلك تحولًا جوهريًا في كل من علم الفلك وفيزياء الجسيمات، ويمهد الطريق لفهم أعمق لبنية الكون ومكوناته غير المرئية.