الانكسار المزدوج الكوني: رصد مشكلة جديدة كبرى تواجه نماذج الفيزياء الحالية!
وجد علماء الفلك -خلال دراستهم لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي- أدلةً إضافية على الانكسار المزدوج الكوني، وقد يتطلب تفسير هذه الظاهرة نموذجًا فيزيائيًا جديدًا.
إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، حسب فهمنا الحالي للكون، هو الإشعاع الخافت شبه المتجانس الذي تبقى من أقدم ضوء في الكون. انبعث هذا الإشعاع بعد 380 ألف سنة من الانفجار العظيم، وذلك عندما انخفضت درجة حرارة الكون كفايةً لكي تتحد البروتونات والإلكترونات وتشكل الذرات. سمحت هذه العملية بأن ينتشر الضوء عبر الكون، وأن يصبح الكون بدوره شفافًا كذلك.
وفقًا لوكالة الفضاء الأوروبية: «إشعاع الخلفية الكونية الميكروي هو أبعد وأقدم ضوء يمكن لأي تلسكوب أن يلتقطه. إنه لمن المستحيل رؤية ما كان قبل زمن انبعاث هذا الإشعاع، إذ إن الكون كان مُعتمًا بالكامل آنذاك. يُقرب إشعاع الخلفية الكونية علماء الفلك إلى أقصى حد ممكن من الانفجار العظيم، لهذا فهو يُعد حاليًا أحد أكثر الوسائل الواعدة التي لدينا لكي نتمكن من فهم نشأة الكون الذي نعيش فيه».
إذا ما نظرنا إلى الجانب الإيجابي، نجد أنه يمكن رصد هذا الإشعاع بنسب ضئيلة، وهو ينفذ في جميع أرجاء الكون المعروف، ويبدو كذلك أنه يتوافق مع نماذجنا الكونية منذ بداية الكون وحتى اليوم، على نحو كبير للغاية، إن لم يكن بالكامل.
مع ذلك، نجد في المقابل بعض الظواهر الشاذة المعروفة منذ فترة طويلة فيما يخص إشعاع الخلفية الكونية، بدرجات متفاوتة من الموثوقية، ما يشير إلى وجود أسرار لا تزال بحاجة إلى تفسير. مثلًا، ظاهرة ثنائي القطب الكوني، التي تُعرف باسم أكثر إثارة هو «محور الشر». أيضًا رصد العلماء عام 2020 ظاهرة جديدة سُميت الانكسار المزدوج الكوني.
في عملية الاستقطاب تُحصر اهتزازات الموجة الضوئية في مستوى واحد، يكون عموديًا على اتجاه انتشارها، وعادةً ما تحافظ الموجة على الاستقطاب ذاته في أثناء انتقالها في الفضاء. لكن عندما درس فريق البحث إشعاع الخلفية الكونية وقارنوه بالضوء المُشتت بواسطة الغبار داخل مجرة درب التبانة، وجدوا بعض الأدلة التي تُشير إلى أن استقطاب إشعاع الخلفية الكونية قد تعرض لدوران طفيف عما كان عليه حين انبعاثه في بداية الكون.
إن زاوية الدوران صغيرة جدا، إذ قدرت الورقة البحثية الأصلية قيمتها بنحو 0.3 درجات، في حين تشير مسودة بحثية نُشرت عام 2025 واستندت إلى بيانات الاستقطاب الصادرة عن تلسكوب أتاكاما، إلى أن القيمة تبلغ 0.215 درجة. رغم ضآلته، يبقى هذا الدوران غير مُتوقع طبقًا للنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، ومن ثم قد يفضي إلى نموذج فيزيائي جديد.
يوضح الفريق: «يخضع الضوء المستقطب لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي لفيزياء جديدة تُناقض تَناظر التكافؤ، فقد يُسبب تفاعل الفوتونات مع المجالات الخفية للمادة المظلمة والطاقة المظلمة دورانًا منتظما لمستوى الاستقطاب الخطي».
يقترح فريق آخر من العلماء في مسودة بحثية جديدة لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، أن جسيمات المادة المظلمة المحتملة التي يُطلق عليها اسم الأكسيونات أو الجسيمات الشبيهة بالأكسيونات، قد تمثل الحل. يقول الفريق: «الجسيمات الشبيهة بالأكسيونات، بوصفها من جسيمات المادة المظلمة المحتملة، تمتلك مزايا فريدةً في تقديم تفسير طبيعي لمثل هذه الظواهر، إذ تكشف نتائجنا أن التراكب بين مجالين خاصين بهذه الجسيمات التي لها كتل مختلفة، من شأنه أن يُخفف من القيود التي يفرضها تأثير التلاشي، ومن ثم يؤدي إلى توافق مع بيانات الرصد».
تقتضي المرحلة المقبلة إجراء المزيد من الدراسات لتعزيز فرضية الانكسار المزدوج الكوني، وتحديد زاوية دوران الاستقطاب لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي منذ انبعاثه بدقة أكبر. من ثم يمكننا البدء باستكشاف ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الفيزياء والنموذج المعياري.