رصد نجوم يُشتبه أنها التهمت كواكب كاملة!
من بين آلاف النجوم التي خضعت للرصد والتحليل، لفتت ستة نجوم من نوع الأقزام الحمراء انتباه الباحثين بسبب احتوائها على آثار عنصر كيميائي غير متوقع في أغلفتها الجوية. وفي الظروف الطبيعية، كان ينبغي لهذا العنصر أن يكون قد دُمر بالكامل منذ زمن طويل داخل أعماق هذه النجوم. ولذلك فإن وجوده يشير إلى احتمال مثير للاهتمام, وهو أن هذه النجوم ربما ابتلعت كواكب صخرية شبيهة بالأرض.
يقول عالم الفلك روبن جيفريز من جامعة كيل في المملكة المتحدة: «وجدنا أن عددًا قليلًا من النجوم القزمة الحمراء التي درسناها يحتوي على عنصر الليثيوم، وهو عنصر لا يُفترض أن يكون موجودًا فيها. ولذلك فإن حتى الكميات الضئيلة من الليثيوم تظهر بوضوح شديد في هذه النجوم، تمامًا كما تبرز بقعة من الطلاء على لوحة بيضاء فارغة».
رصد آثار الكواكب المدمرة
في الفضاء، نادرًا ما تترك الأحداث العنيفة أدلة واضحة. فعندما يبتلع نجم أحد كواكبه، غالبًا ما تُدمر جميع الشواهد المباشرة على هذه الحادثة مع الكوكب نفسه. لهذا السبب لا يستطيع علماء الفلك الاعتماد على أدلة مرئية مباشرة، بل يضطرون إلى البحث عن مؤشرات أدق، مثل البصمات الكيميائية غير المعتادة، أو السلوكيات النجمية الشاذة، أو غيرها من الآثار التي قد تبقى بعد وقوع الحدث.
أُطلق على هذا المجال البحثي المتخصص اسم علم الكواكب الميتة، وهو فرع من علم الفلك يهدف لدراسة الأدلة التي تشير إلى وجود كواكب اختفت أو دُمرت في الماضي.
عادةً ما تُجرى هذه الدراسات على النجوم الميتة أو المحتضرة، لأن الطبقات الخارجية المنتفخة لهذه النجوم، أو خصائصها الكيميائية المعروفة بدقة، تجعل من السهل نسبيًا اكتشاف آثار الكواكب التي سبق أن ابتلعتها.
الأقزام الحمراء: نجوم طويلة العمر
لا تُعد الأقزام الحمراء من النجوم المحتضرة أو القريبة من نهاية حياتها، بل هي نجوم صغيرة الكتلة، منخفضة الحرارة نسبيًا، وضعيفة اللمعان مقارنةً بالنجوم الأكبر حجمًا.
تعني هذه الخصائص أنها تستهلك وقودها النووي ببطء شديد. ففي حين يُقدر العمر المتوقع للشمس بنحو عشرة مليارات سنة، يمكن للأقزام الحمراء أن تعيش عشرات المليارات، بل حتى تريليونات السنين.
ولأن عمر الكون نفسه يبلغ نحو 13.8 مليار سنة فقط، فإن أي قزم أحمر موجود حاليًا لم يصل بعد إلى نهاية عمره الطبيعي. وبعبارة أخرى، لم يعش الكون مدة كافية تسمح لأي قزم أحمر بإنهاء دورة حياته بالكامل.
مع ذلك، توجد سمة أخرى تجعل الأقزام الحمراء أهدافًا مثالية لعلم الكواكب الميتة، وهي قدرتها الكبيرة على تدمير عنصر الليثيوم.
لماذا يُعد الليثيوم دليلًا مهمًا؟
تتميز النجوم منخفضة الكتلة، ومنها الأقزام الحمراء، بأنها تستهلك الليثيوم بسرعة كبيرة خلال مراحل حياتها المبكرة. فعندما تنتقل المادة داخل النجم بفعل تيارات الحمل الحراري إلى المناطق الداخلية الساخنة، تتعرض ذرات الليثيوم لدرجات حرارة مرتفعة تؤدي إلى تدميرها بكفاءة عالية.
لهذا السبب، عندما يبلغ القزم الأحمر عمرًا معينًا، فمن المتوقع أن يكون قد فقد تقريبًا كل ما امتلكه من الليثيوم عند ولادته.
ومن هنا تبرز أهمية الاكتشاف. إذا عُثر على ليثيوم حديث في الغلاف الجوي لقزم أحمر، فإن ذلك يعني أن هذا العنصر وصل إليه في وقت متأخر نسبيًا، أي في وقت لاحق للزمن المتوقع لاختفائه.
لهذا السبب يُعد الليثيوم بمثابة «أثر» ممتاز يمكن استخدامه للكشف عن احتمال ابتلاع النجم لكوكب أو أكثر.
تحليل بيانات آلاف النجوم
اعتمد الباحثون، بقيادة جيفريز، على بيانات مشروع Gaia-ESO Survey، وهو مشروع فلكي ضخم جمع معلومات طيفية عن آلاف النجوم الموجودة في مجرة درب التبانة.
ركز الفريق على دراسة العناقيد النجمية. والعنقود النجمي هو مجموعة من النجوم التي تشكلت معًا من السحابة نفسها من الغاز والغبار الكوني، لذلك فإن أفراد العنقود يمتلكون أعمارًا متقاربة وتركيبًا كيميائيًا متشابهًا.
كان هذا الاختيار مهمًا للغاية، لأن التشابه بين نجوم العنقود يجعل اكتشاف أي نجم مختلف عن البقية أسهل بكثير.
فإذا كانت جميع النجوم تقريبًا قد فقدت الليثيوم الذي وُلدت به، ثم ظهر أحدها محتفظًا بكمية ملحوظة من هذا العنصر، فإن ذلك يشير إلى أن شيئًا غير اعتيادي قد حدث له في وقت لاحق من حياته.
بعد تضييق نطاق البحث ليشمل فقط النجوم التي يمكن رصد بصمة الليثيوم فيها بدقة، بقي لدى العلماء 318 نجمًا من الأقزام الحمراء.
من بين هذه النجوم، وُجد أن ستة نجوم تحتوي على كميات من الليثيوم أكبر بكثير مما تسمح به النماذج الفلكية المعروفة.
كان على الباحثين بعد ذلك التحقق من أن هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها بأسباب أخرى.
أحد الاحتمالات كان أن تكون هذه النجوم أصغر عمرًا من بقية أعضاء العناقيد النجمية. فالنجوم الفتية تمتلك بطبيعة الحال مستويات أعلى من الليثيوم. ومن الممكن نظريًا أن ينتقل نجم صغير السن إلى عنقود نجمي أقدم ويبدو أنه جزء منه.
لكن تحليل حركة النجوم وألوانها ومواقعها أثبت أن جميع النجوم الستة تنتمي فعلًا إلى عناقيدها الأصلية، وأنها ليست نجومًا دخيلة.
استبعاد الفرضيات البديلة
نظر العلماء أيضًا في احتمال أن تكون خصائص داخلية معينة قد منعت هذه النجوم من تدمير الليثيوم بالمعدل المعتاد.
مثلًا، قد يؤثر الدوران السريع أو النشاط المغناطيسي القوي في آليات الخلط الداخلي للمادة داخل النجم، ما قد يغير من سرعة استهلاك الليثيوم.
إلا أن النتائج لم تدعم هذا التفسير أيضًا. فعلى العكس تمامًا، كانت هذه النجوم من بين أبطأ النجوم دورانًا داخل عناقيدها النجمية، ولم تُظهر أي مؤشرات على نشاط استثنائي قد يفسر وجود الليثيوم.
هكذا بدأت جميع التفسيرات البديلة بالتساقط واحدًا تلو الآخر. هل ابتلعت هذه النجوم كواكب بالفعل؟
بعد استبعاد الاحتمالات الأخرى، انتقل الباحثون إلى اختبار الفرضية الأكثر إثارة: هل يمكن أن يكون الليثيوم قد وصل إلى هذه النجوم نتيجة ابتلاعها لكواكب صخرية؟
أظهرت النماذج الحاسوبية التي طورها الفريق أن كمية الليثيوم المرصودة في كل نجم من النجوم الستة تتوافق تمامًا مع وصول مادة غنية بالليثيوم في وقت حديث نسبيًا.
نظرًا إلى أن الكواكب الصخرية تحتوي على الليثيوم، فإن سقوطها داخل النجم قد يفسر هذه الزيادة الكيميائية.
أيضًا فإن الدراسات السابقة أظهرت أن الكواكب الصغيرة والصخرية شائعة حول الأقزام الحمراء، وأن بعض الأنظمة الكوكبية تشهد بالفعل سقوط كواكبها نحو النجوم المركزية بسبب التفاعلات الجاذبية المعقدة.
تشير الحسابات إلى أن ابتلاع كمية من المادة تعادل ما بين ثلاثة وعشرة أضعاف كتلة الأرض يكفي لإنتاج إشارة الليثيوم التي رصدها العلماء.
بالنسبة إلى علم الكواكب الميتة، يُعد هذا الدليل من أقوى الأدلة المتاحة حاليًا على حدوث عملية ابتلاع كوكبي.
ما مدى شيوع هذه الظاهرة؟
تشير النتائج الأولية إلى أن ستة نجوم من أصل 318 نجمًا، أي ما يعادل نحو 2 إلى 3% من الأقزام الحمراء المدروسة، ربما تكون قد ابتلعت كواكبها.
إلا أن هذه النسبة تعتمد بصورة كبيرة على المدة الزمنية التي يبقى فيها الليثيوم مرئيًا في الغلاف الجوي للنجم بعد ابتلاع الكوكب.
فإذا كان الليثيوم يستمر فترةً طويلة، فإن هذه النسبة قد تعكس الواقع بدقة معقولة. أما إذا كان يختفي بسرعة، فقد تكون الظاهرة أكثر شيوعًا بكثير مما يبدو.
في هذه الحالة، فإن فرصة رصد النجم خلال الفترة القصيرة التي يحتفظ فيها بآثار الليثيوم ستكون محدودة للغاية، ومع ذلك تمكن العلماء من العثور على ستة أمثلة واضحة نسبيًا.
يرى بعض علماء الفلك أن ابتلاع النجوم لكواكبها قد يكون أمرًا شائعًا نسبيًا خلال المراحل المبكرة من تكون الأنظمة الكوكبية.
في تلك المرحلة تكون الكواكب حديثة التكوين، وتؤدي قوى الجاذبية المتبادلة بينها إلى اضطرابات مستمرة في المدارات، أشبه بلعبة كرات كونية، إذ تُقذف الأجسام في اتجاهات مختلفة. وقد ينتهي الأمر ببعض الكواكب إلى الاصطدام بنجمها الأم والاختفاء داخله.
تشير هذه الدراسة إلى أن الأقزام الحمراء قد توفر وسيلة جديدة وفعالة لدراسة هذه الظاهرة وفهم الآليات التي تتحكم في نشوء الأنظمة الكوكبية وتطورها عبر الزمن.
مع أن القضية لم تُحسم نهائيًا بعد، فإن الأدلة المتوافرة تجعل هذه النجوم الستة موضع اشتباه قوي، لأن الأقزام الحمراء تُعد من أطول الأجرام الفلكية عمرًا في الكون، إذ قد تستمر في الوجود مليارات، بل تريليونات السنين.