سبعة تصورات مبكرة للذكاء الاصطناعي
لقد أسر مفهوم الآلة الذكية -بوصفها المساعد الذي لا يكل، أو الجندي الأمثل، أو حتى الرفيق الحنون- خيال البشر آلاف السنين. قبل وقت طويل من تحول الذكاء الاصطناعي إلى واقع، ألف الكُتاب من اليونان القديمة وصولًا إلى أميركا في حقبة الحرب الباردة قصصًا خيالية عكست آمالنا ومخاوفنا المشتركة من الذكاء الاصطناعي.
هل ستساعد الآلات الذكية البشرية على بلوغ أقصى إمكاناتها، أم ستنقلب هذه المخلوقات الذكية على أسيادها وتكون سبب هلاكهم؟
تقول كانتا ديهال، المشاركة في تحرير كتاب سرديات الذكاء الاصطناعي: «إن السعي وراء الذكاء الاصطناعي قديمٌ جدًا، وهو أمرٌ جوهري في تعريفنا لأنفسنا كبشر، ولذلك لا أستغرب أن أجد تصوّرات لآلاتٍ ذكية تعود إلى الأساطير اليونانية».
فيما يلي بعض من أقدم تصورات البشرية للذكاء الاصطناعي:
العذارى الذهبيات لهوميروس
كُتبت ملحمة الإلياذة قبل نحو ثلاثة آلاف عام، في عالم خال من الكهرباء، والربوتات والحواسيب، ومع ذلك، تمكن الشاعر اليوناني القديم هوميروس، عام 800 قبل الميلاد، من تخيل قوة إلهية قادرة على خلق آلات ذكية.
في الإلياذة، نلتقي بإله الحدادة هيفايستوس، الذي طُرح من جبل الأولمب لمحاولته حماية والدته في أثناء مواجهة مع زيوس.
عانى هيفايستوس إصابات شديدة في ساقيه، وكانت عرجته موضع سخرية لآلهة الأولمب، لكن هيفايستوس كرس معاناته الشبيهة بمعاناة البشر في صنع أعمال فنية جميلة، من بينها درع أخيل المدهش.
بسبب قيوده الجسدية، كان هيفايستوس بحاجة إلى مساعدين في ورشة الحدادة الخاصة به، وكتب هوميروس أن هيفايستوس استخدم قواه الخاصة لخلق مساعدات مصنوعات من ذهب، بدت مثل عذارى حيّات.
في هذا المقطع القصير، وصف هوميروس ببراعة آلات شبيهة بالبشر مبرمجة لمساعدة صانعها: «في قلوبهن ذكاء، ولديهن صوت وقوة، وقد تعلمن مهاراتهن من الآلهة الخالدة، وكن يتحركن بنشاط لدعم سيدهن».
لم تستغرب ديهال من فكرة أن مساعدات هيفايستوس الذهبيات كُن نساءً، إذ إن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تخدم البشر صُنفت تقليديًا بصيغة أنثى، ويمكن الاستشهاد بروزي في المسلسل التلفزيوني الكرتوني ذا جيتسونز.
حتى المساعدات الافتراضيات الحقيقيات أليكسا وسيري حصلن على أسماء أنثوية، و-على الأقل في البداية- أصوات أنثوية.
الترميناتور الأصلي
بعد مرور خمسمئة عام على هوميروس، كتب المؤلف الإغريقي أبولونيوس رودس ملحمة الأرجوناوتيكا، وهي قصيدة ملحمية عن مغامرات ياسون والأرجوناوتيون في سعيهم وراء الصوف الذهبي.
عندما اقترب الأرجوناوتيون من جزيرة كريت، صدهم عملاق برونزي يُدعى تالوس، كان يلقي صخورًا ضخمة على سفينتهم.
في بعض روايات أسطورة تالوس، كان أيضًا إنسانًا آليًا بناه هيفايستوس لحراسة شواطئ كريت ومحاربة القراصنة.
تقول ديهال: «إنه الجندي الخارق النموذجي، ضخم، عملاق مصنوع من البرونز، صُمم خصيصًا للدفاع عن جزيرة كريت في وجه الغزاة».
من بين الورثة الخياليين لتالوس، القتلة الآليين المتقدمين، في سلسلة أفلام الترميناتور والروبوتات القتالية في سلسلة حرب النجوم.
أجرى جيش الولايات المتحدة قبل بضع سنوات تجارب على هيكل خارجي ميكانيكي مضاد للرصاص أطلقوا عليه اسم تالوس، في إشارة إلى ما تصفه ديهال الروبوت القاتل الأصلي.
الأوتوماتا العربية
في العصور القديمة، صنع الحرفيون والمهندسون أمثال هيرون الإسكندري آلات متقنة تُشغل بالماء أو الرياح، أو بحبل مشدود.
قبل ألفي عام من ظهور ديزني لاند، جمع هيرون سلسلة من الآلات البسيطة لإنتاج عرض دمى ميكانيكي مدته عشر دقائق مزود بالمؤثرات الصوتية.
إلا أنه بعد سقوط روما، تلاشت هذه القدرات ذات الطابع السحري في الغرب، في حين ازدهرت صناعة الآلات الآلية في العالم العربي والإسلامي.
في القرن التاسع الميلادي، ألف الإخوة بنو موسى، ثلاثة مهندسين بارعين وصناع حيل من بغداد، كتاب الأجهزة المبتكرة، يضم مئة جهاز، من بينها الأباريق الخادعة التي توزع ثلاثة أنواع من السوائل -متضمنةً الماء المغلي- والنوافير الراقصة.
يظهر الشغف بالآلات الذكية في العالم الإسلامي القديم في كتاب ألف ليلة وليلة، مجموعة حكايات يقدر عمرها بعدة قرون من الأساطير الشرق أوسطية، وفي قصة حكاية مدينة النحاس، نلتقي بمجموعة رحالة يصادفون فارسًا آليًا مصنوع من النحاس بالكامل، لحسن الحظ كان معه كتيب تعليمات:
«يا من تقترب مني، إن كنت لا تعرف الطريق المؤدي إلى مدينة النحاس، فافرك يد الفارس، فيدور ثم يقف، وحيثما يقف فامض، من غير خوف ولا عناء، فإنه سيقودك إلى مدينة النحاس».
عندما اتبع الرحالة التعليمات، دار الفارس بسرعة البرق الخاطف، وواجه اتجاهًا مغايرًا للاتجاه الذي كانوا يسيرون فيه.
تقول ديهال: «لقد أُعيد تقييم بعض قصص ألف ليلة وليلة، بوصفها ما نسميه اليوم خيالًا علميًا، لأنها استبقت بعض هذه الأفكار».
الذكاء الاصطناعي الغريب
تقدم قصة قصيرة تعود إلى القرن التاسع عشر للكاتب الألماني إي. تي. أ. هوفمان كيانًا ذكيًا مقنعًا للغاية، إلى حد أن الناس يخطئون فيحسبونه إنسانًا ، في قصة رجل الرمل المنشورة عام 1816، يقع بطل القصة في حب ابنة معلمه، قبل أن يكتشف لاحقًا أنها ليست سوى آلة، هذا الإدراك الصادم يدفعه في النهاية إلى الانتحار.
تقول ديهال إن صناعة الآلات ازدهرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، تزامنًا مع الابتكارات الشهيرة مثل الميكانيكي التركي، وهو آلة لعب شطرنج شهيرة ومزيفة واجهت نابليون، والبطة الهاضمة لجاك دي فوكانسون، وهي بطة تستطيع أكل الحبوب والتبرز.
وجود آلات متقدمة بهذه الدرجة دفع الأدب الخيالي إلى طرح تساؤلات من قبيل: ماذا لو تحسنت هذه التقنية أكثر فأكثر ولم نعد قادرين على التمييز بينها وبين البشر؟ هنا تتجلى قوة القصص مثل رجل الرمل في تجسيد روح العصر.
بعد قرن مضى، أشار سيغموند فرويد إلى قصة رجل الرمل في مقالة له بعنوان الغرابة، وهو إحساس وصفه بأنه كل ما يثير الرعب والفزع المتسلل.
في علم الربوتات الحديثة، يستخدم مصطلح وادي الغرابة لوصف الشعور المقلق الناتج عن التفاعل مع ذكاء اصطناعي قريب من أن يكون بشريًا، لكنه ليس قريبًا بما يكفي، وهذا ما يجعله مخيفًا، بحسب ديهال.
عقدة فرانكشتاين
عام 1818، بعد عامين فقط من كتابة هوفمان لقصة رجل الرمل، نشرت ماري شيلي روايتها القوطية فرانكنشتاين أو بروميثيوس الحديث، في إشارة مباشرة إلى الأسطورة اليونانية لبروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة ومنحها للبشر.
تقول ديهال: «يتناول فرانكنشتاين الروح الفكرية ذاتها التي تناولتها قصة رجل الرمل، لكن من خلال علم مختلف قليلًا. مع أن فرانكنشتاين ذو طبيعة بيولوجية، فإنه يطرح السؤال ذاته الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي، ما الذي يُسمح للبشر بفعله بهذه القوة المحرمة؟».
في رواية شيلي، يكتسب وحش فرانكنشتاين وعيًا ذاتيًا، ويرغب في أن يعيش بوصفه إنسانًا، متوسلًا إلى الدكتور فرانكنشتاين أن يصنع له زوجة، وعندما يرفض الطبيب طلبه، ينطلق الوحش في موجة من القتل.
تظهر عناصر من عقدة فرانكنشتاين كما وصفها كاتب الخيال العلمي إسحاق أسيموف في كثير من الأعمال الأدبية الحديثة.
في فيلم بليد رانر الصادر عام 1982، يُحرم عمال الذكاء الاصطناعي المهندسون بيولوجيًا، المعروفون باسم «النسخ» من حريتهم، فيتمردون على أسيادهم البشر.
وفي فيلم «إكس ماكينا» عام 2014، يصمم عبقري تقني على شاكلة فرانكنشتاين امرأة ذكاء اصطناعي شديدة الشبه بالبشر، فتقتله سعيًا لحريتها.
بحسب ديهال، فإن عنصر فرانكنشتاين حاضر في تقريبًا جميع قصص انتفاض الربوتات.
ولادة الروبوت
مع أن هوميروس كتب عن آلات شبيهة بالبشر قبل ثلاثة آلاف عام، إلا أن كلمة روبوت لم تظهر إلا في القرن العشرين.
كان هذا المصطلح من ابتكار الكاتب المسرحي التشيكي كارل تشابك، الذي حققت مسرحيته R.U.R أو روبوتات روسوم العالمية الصادرة عام 1920 نجاحًا عالميًا.
في اللغة السلافية القديمة، تعني كلمة (robota) العمل القسري، وهو ما كانت تمثله شخصيات الروبوتات تمامًا في مسرحية تشابك.
تقول ديهال: «أول استخدام لكلمة روبوت هو أيضًا المصدر الذي انبثقت منه فكرة تمرد الروبوتات كاملة، ففي المسرحية، يسأم الروبوتات من استغلالهم، فيثورون ويقتلون البشر. لقد كُتبت المسرحية بروح ثورية كالسائدة آنذاك».
هال: العقل (القاتل) داخل صندوق
في فيلم الخيال العلمي 2001: ملحمة الفضاء الصادر عام 1968 من إخراج ستانلي كوبريك، لا تكون الآلة روبوتًا، إنما حاسوبًا.
في الفيلم، يتحاور البشر مع حاسوب المركبة الفضائية، هال 9000، الذي يرد عليهم بوصفه مساعدًا متعاونًا.
لكن عندما يكتشف ديف أن هال، الذي يُفترض أنه معصوم، قد أخطأ، وحين يدرك هال أن الرواد ينوون إيقافه، يحاول قتلهم.
تقول ديهال: «حدث تحول كبير في الذكاء الاصطناعي مع اختراع الحاسوب، وأدرك الناس فجأة أنه يمكن امتلاك آلة تفكر دون الحاجة إلى جسد شبيه بالبشر.
«يشبه هال إلى حد بعيد الحواسيب المبكرة، ويُعد الفيلم استكشافًا مبكرًا لكيفية عمل عقل حاسوبي موزع، وإن ظل محدودًا».
من الحقبة نفسها، ظهرت رواية وفيلم كولوسوس، مشروع فوربين، التي تدور حول حاسوب خارق يسيطر على الترسانة النووية الأميركية ثم يدخل في حرب مع حاسوب خارق سوفييتي.
تقول ديهال: «هذا مثال مبكر جدًا على ذكاء اصطناعي غير بشري يشكل تهديدًا وجوديًا للبشرية جمعاء».
ظهرت حبكة مشابهة في فيلم ألعاب الحرب الشهير عام 1983، إذ يخطئ حاسوب عسكري قوي فيتعامل مع الحرب النووية أنها لعبة.